الصواعق المرسلة

عليه كلام الله ورسوله من التأويلات الفاسدة لا يليق حملُ كلام١ آحاد فضلاء بني آدم عليها. ولهذا سقطت حُرمة الإيمان والقرآن والرسول من قلوبهم، ولهذا يُصرِّحون بأن القرآن والسُّنَّة لا تفيدان علمًا ولا يقينًا في هذا الباب [ق ١١٢ ب] ويقولون: إن الطريقة البرهانية ليست في القرآن، وإنها في منطق اليونان.

الوجه التاسع والثمانون بعد المائة: أن العظيم يُوصف به الأعيانُ والكلام والصفات والمعاني، أمَّا الأعيان فكقوله تعالى: ﴿وَرَبُّ اُلْعَرْشِ اِلْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٧]، وقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. وأمَّا المعاني فكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].

فيُوصَف بالذوات٢ وصفاتها وأفعالها، وكل موصوفٍ فصفته بحسبه، فعِظَم الذات شيءٌ وعِظَم صفاتها شيءٌ، وعِظَم القول شيءٌ، وعِظم الفعل شيءٌ. والرب تعالى له العظمة بكل اعتبارٍ وكل وجهٍ بذاته، والمعطِّلة تُنكر عظمة ذاته، ولا يثبتون إلَّا عظمةً معنويةً، لا يثبتون عظمة الذات. كما يقولون مثل ذلك في العلوِّ أنه علوٌّ٣ معنويٌّ، لا أن ذاته عالية على كل المخلوقات، فليس عندهم عليًّا ولا عظيمًا إلَّا باعتبارٍ معنويٍّ فقط، كعلو قيمة الجوهر على قيمة الخزف، وأهل السُّنَّة أثبتوا له العلوَّ والعظمة بكل اعتبارٍ.

  1. (١) «ح»: «كلامهم».
  2. (٢) كذا في «ح»، ولعله «فيُوصف به الذات».
  3. (٣) «ح»: «علي».
955

ومثل هذا وصفه سبحانه بأنه الكبير المتعال١، فالكبير يُوصف به الذات وصفاتها القائمة بها، فيقال: هذا أكبر من هذا حِسًّا ومعنًى وسنًّا.

وكذلك الطول يقال: هو أطول يدًا منه صورةً ومعنى. كما قال النبي ﷺ لنسائه: «أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا»٢. فكلهن يمددن أيديهن أيهن أطول، وكانت٣ زينب أولهن موتًا، وكانت أطولهن يدًا بالخير والصدقة.

وكذلك السعة والبسطة تكون في الذوات والمعاني، كما قال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي اِلْعِلْمِ وَاَلْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فكبر قدرُه في باطنه بالعلم وفي ظاهره باشتداد الجسم، فكمل ظاهره وباطنه ومعناه وصورته. وهذا أكمل من أن يكمل معناه وفِكره٤ دون ذاته وصورته. وهذا شأنه سبحانه فيما يريد تكميله مِن خَلْقه، فإنه يكمله ذاتًا ومعنى ظاهرًا وباطنًا، كما قال تعالى في أهل الجنة: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] فكمَّل ظواهرهم بالنضرة، وبواطنهم بالمسرَّة.

وقال تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] فهذا زينة ظواهرهم، وهذا زينة بواطنهم.

وقال٥: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ٢١ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢١ - ٢٢] فكمل ظواهرهم بالنضرة٦، وبواطنهم بالنظر إليه.

  1. (١) قال تعالى: ﴿عَالِمُ اُلْغَيْبِ وَاَلشَّهَادَةِ اِلْكَبِيرُ اُلْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ١٠].
  2. (٢) أخرجه البخاري (٣٦٢٤) ومسلم (٢٤٥٢) عن عائشة ﵂.
  3. (٣) «ح»: «وكان».
  4. (٤) «ح»: «ويكره». ولعل المثبت هو الصواب.
  5. (٥) «ح»: «وقالوا».
  6. (٦) «ح»: «بالنظرة».
956

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي