الصواعق المرسلة

إسلامه حين قال له النبي ﷺ: «يَا عَدِيُّ مَا يُفِرُّكَ١؟ أَيُفِرُّكَ أَنْ يُقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إِلَهٍ سِوَى٢ اللهِ؟» ثم قال: «يَا عَدِيُّ مَا يُفِرُّكَ؟ أَيُفِرُّكَ أَنْ يُقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ؟ فَهَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنَ اللهِ؟». فالله سبحانه أكبرُ من كل شيءٍ ذاتًا وقدرًا ومعنى وعزةً وجلالةً، فهو أكبر من كل شيءٍ في ذاته وصفاته وأفعاله، كما هو فوق كل شيءٍ، وعالٍ على كل شيءٍ، وأعظم من كل شيءٍ، وأجلُّ من كل شيءٍ في ذاته وصفاته وأفعاله. يوضحه:

الوجه التسعون بعد المائة: أن تعطيل ذاته المقدسة عن وصفها بذلك وجعل ذلك مجردَ أمرٍ٣ معنويٍّ يقتضي سلبَ ذلك عنه بالكلية، ولا سيما عند الجهمية النُّفاة لصفاته وأفعاله، فإنه عندهم لا تقوم به صفةٌ ثبوتيةٌ يستحق بها أن يكون أعظمَ من غيره وأكبرَ منه وفوقه وأعلى منه؛ فإنهم لا يجعلون ذلك عائدًا إلى ذاته، لأنه يلزم منه عندهم التجسيم.

فليست ذاته عندهم موصوفةً بكبرٍ ولا عظمةٍ ولا علوٍّ ولا فوقية، وليس له عندهم صفةٌ ثبوتيةٌ تكون عظمته وفوقيته وعلوه لأجلها، فإن إثبات الصِّفات عندهم يستلزم التركيب. ولا له فعل يقوم به يكون به أعظم وأكبر من غيره، فإن ذلك يستلزم عندهم حلول الحوادث وقيامها به. فلا حقيقة عندهم لكونه أكبر وأعظم وأجل من غيره إلَّا ما يرجع إلى مجرد السلب والنفي والعدم، مثل كونه لا داخلَ العالم، ولا خارجَه، ولا تَحُلُّه

  1. (١) «ح»: «يضرك». في المواضع الأربعة.
  2. (٢) «ح»: «سواي».
  3. (٣) «ح»: «مجردا من».
959

الحوادث، ولا يفعل١ لحِكْمةٍ ولا مصلحةٍ، ولا له وجهٌ ولا يدان، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ولا هو مستوٍ على عرشه، ولا يأتي يوم القيامة لفصل القضاء، ولا يراه المؤمنون في الجنة ولا يكلمهم، ولا كلَّم موسى في الدنيا ولا أحدًا من الخلق، ولا يشار إليه بالأصابع، ولا يُرفع إليه الكلم الطيب، ولا تعرُج الملائكة والروح إليه، ولا عرجَ رسول الله ﷺ إليه، ولا دنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، ونحو ذلك من النفي والسلب الذي يفرون عنه بنفي التشبيه والتجسيم والتركيب، فيوهمون السامع أن إثبات ذلك تشبيهٌ وتجسيمٌ، ثم ينفونه عنه، وحقيقة ذلك نفي ذاته وصفاته وأفعاله.

فهذا حقيقة كونه أكبرَ من كل شيءٍ وأعظمَ منه وفوقه وعاليًا عليه عندهم. وحقيقة ذلك نفيُ هذا عنه، وجعلُ كل شيءٍ أكبرَ منه. لأن ما لا ذاتَ له ولا صفةَ ولا فعلَ فكل ذات لها صفة أكبرُ منه، فالقوم كبَّروه وعظَّموه ونزَّهوه في الحقيقة عن وجوده فضلًا عن صفات كماله وأفعاله! يوضحه:

الوجه الحادي والتسعون بعد المائة: وهو أنه قد عُلم بالاضطرار أن الله سبحانه له ذات مخصوصة، يقال: ذات الله، كما قال خُبَيْب٢:

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْيُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّع

ولفظ «ذات» في الأصل تأنيث «ذو» أي٣: ذات كذا وذو كذا. والذي

  1. (١) «ح»: «يفعله».
  2. (٢) هو خبيب بن عدي ﵁، قاله لما خرجوا به من الحرم ليقتلوه، أخرجه البخاري (٣٠٤٥) في قصة طويلة.
  3. (٣) «ح»: «رأي».
960

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي