فإذا أطلقوا لفظ الذات من غير تقييدها٢ بإضافةٍ إلى معين دلت على ماهية لها صفات تقوم بها، فكأنهم قالوا: صاحبة الصِّفات المخصوصة القائمة بتلك الماهية، فدلوا بلفظ الذات على الحقيقة وصفاتها القائمة بها؛ ومحالٌ أن يصح وجود ذات لا صفات لها ولا قدرَ، وإنْ فرَضَها الذهن فرضًا لا وجود لمتعلِّقه في الخارج إلَّا كما يفرض سائر الممتنعات. فالذات هي قابلة للصفات والموصوفة بالصفات القائمة بها.
ومنه: «ذات الصدور» أي: ما فيها من خيرٍ وشرٍّ. وقال ابن الأنباري٣: «معناه عليمٌ بحقيقة القلوب من المضمرات. فتأنيث «ذات» لهذا المعنى،
(١) أخرجه أحمد (٢٤٦١٣) وأبو داود (٨٧٣) والنسائي (١٠٤٩) عن عوف بن مالك ﵁. وصحَّح إسناده النووي في «الخلاصة» (١٢٥٤) وابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٧٢).
(٢) «ح»: «تقيدها».
(٣) نقله عنه الأزهري في «تهذيب اللغة» (١٥/ ٣٤) والواحدي في «التفسير البسيط» (٥/ ٥٥٢ - ٥٥٣).
كما قال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾[الأنفال: ٧] فأنَّث لمعنى الطائفة، كما يقال: لقيتُه ذات [يوم]١، فيؤنّث؛ لأن قصدهم: لقيتُه مرةً في يوم».
وقال الواحدي٢: ««ذات الصدور» يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون نفس الصدور؛ لأن ذات الشيء نفسه وعينه. يقال: فهمتُ ذات كلامك، كما يقال: فهمتُ [نفس]٣ كلامك. قال [الشاعر]٤:
نَطُوفُ بِذَاتِ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ٥
وقال: «وفيه معنى التأكيد، فيكون المعنى: والله عليمٌ بالصدور.
والثاني: أن «ذات الصدور» الأشياءُ التي في الصدور، وهي الأسرار والضمائر، وهي ذات الصدور؛ لأنها فيها، تحلُّها وتصاحبها، وصاحب الشيء: ذُوه، وصاحبته: ذاته».
قلت: أكثر استعمالهم ذات الشيء بمعنى السبيل والطريق المُوصِلة
(١) سقط من «ح». وأثبته من «التفسير البسيط».
(٢) «التفسير البسيط» (٦/ ٩٩ - ١٠٠).
(٣) من «التفسير البسيط».
(٤) من «التفسير البسيط». وهو عمرو بن الحارث بن مضاض، والمذكور عجز البيت، وصدره في «سيرة ابن هشام» (١/ ١١٥): وكنَّا ولاةَ البيتِ من بعد نابت والرواية فيها: «بذاك البيت». وكذا في «شرح القصائد السبع» لابن الأنباري (ص ٢٥٤). وينظر «الأغاني» (١٥/ ١٧).
(٥) «ح»: «والحر طاهر». والمثبت من «التفسير البسيط».