كما قال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾[الأنفال: ٧] فأنَّث لمعنى الطائفة، كما يقال: لقيتُه ذات [يوم]١، فيؤنّث؛ لأن قصدهم: لقيتُه مرةً في يوم».
وقال الواحدي٢: ««ذات الصدور» يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون نفس الصدور؛ لأن ذات الشيء نفسه وعينه. يقال: فهمتُ ذات كلامك، كما يقال: فهمتُ [نفس]٣ كلامك. قال [الشاعر]٤:
نَطُوفُ بِذَاتِ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ٥
وقال: «وفيه معنى التأكيد، فيكون المعنى: والله عليمٌ بالصدور.
والثاني: أن «ذات الصدور» الأشياءُ التي في الصدور، وهي الأسرار والضمائر، وهي ذات الصدور؛ لأنها فيها، تحلُّها وتصاحبها، وصاحب الشيء: ذُوه، وصاحبته: ذاته».
قلت: أكثر استعمالهم ذات الشيء بمعنى السبيل والطريق المُوصِلة
(١) سقط من «ح». وأثبته من «التفسير البسيط».
(٢) «التفسير البسيط» (٦/ ٩٩ - ١٠٠).
(٣) من «التفسير البسيط».
(٤) من «التفسير البسيط». وهو عمرو بن الحارث بن مضاض، والمذكور عجز البيت، وصدره في «سيرة ابن هشام» (١/ ١١٥): وكنَّا ولاةَ البيتِ من بعد نابت والرواية فيها: «بذاك البيت». وكذا في «شرح القصائد السبع» لابن الأنباري (ص ٢٥٤). وينظر «الأغاني» (١٥/ ١٧).
(٥) «ح»: «والحر طاهر». والمثبت من «التفسير البسيط».
وكذلك الجَنْب، كقوله [ق ١١٣ أ]: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اِللَّهِ﴾[الزمر: ٥٣]، فليست الذات والجنب هنا هي نفس الحقيقة. ومنه قوله: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اِللَّهِ﴾[العنكبوت: ٩] وقول النبي ﷺ: «وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ»١. وأمَّا استعمالهم ذات الشيء بمعنى عينه ونفسه فلا يكاد يُظفَر به.
وكذلك قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ اِلصُّدُورِ﴾[الأنفال: ٤٤]، ليس المراد به عليم بمجرد الصدور، فإن هذا ليس فيه٢ كبيرُ أمرٍ، وهو بمنزلة أن يقال: عليمٌ بالرؤوس والظهور والأيدي والأرجل. وإنما المراد به: عليمٌ بما تُضمِره الصدور من خيرٍ وشرٍّ، أي: بالأسرار التي في الصدور وصاحبة الصدور، فأضافها إليها بلفظ يعمُّ جميع ما في الصدور من خيرٍ وشرٍّ.
وأمَّا استعمال لفظ «ذات» في حقيقة الشيء الخارجية فأظنه استعمالًا مولَّدًا، وهو من العربية المولَّدة لا العربية العَرْباء. ولما ولَّدوا هذا الاستعمال أدخلوا عليها الألف واللام - وهو من العربية المولدة أيضًا - فقالوا: الذات، والعرب لا تستعملها٣ إلَّا مضافةً. وقد تنازع فيها أهل العربية، فكثيرٌ منهم يُغلِّط أصحابَ هذا الاستعمال، ويقول: هو خلاف لغة
(١) أخرجه الإمام أحمد (١٢٣٩٥) والترمذي (٢٤٧٢) وابن ماجه (١٥١) وابن حبان (٦٥٦٠) والضياء في «المختارة» (٥/ ٣٠) عن أنس بن مالك ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.