الصواعق المرسلة

الوجه الخامس والتسعون بعد المائة: أنه كيف يكون النفاة المعطلة من الجهمية ومَن تبعهم أولى بالصواب والحقِّ في معرفة الله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه، وشهداءُ الله في أرضه من جميع أقطار الأرض يشهدون عليهم بالضلالة والحيرة والكذب على الله ورسوله وكتابه، ويرمونهم بالعظائم، ويشهدون عليهم بالكفر والإلحاد في أسماء الله وصفاته، وقد قال النبي ﷺ: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ بخَيْرٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ بِشَرٍّ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ»١.

فكيف إذا كان الشهداء على هؤلاء قد شَهِدَ لهم بأنهم أولو العلم وعدَّلهم مَن جعل الله شهيدًا عليهم، وهو رسوله صلوات الله وسلامه عليه، كما قال النبي ﷺ مُعدِّلًا لهؤلاء الشهود: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ»٢.

فاسمع الآن بعض شهادات هؤلاء العدول على أهل النفي والتعطيل:

قال إمام أهل السُّنَّة والحديث محمدُ بن إسماعيل البخاري في كتاب «خلق الأفعال»٣: [وقال أحمد بن الحسن: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سليم القاري]٤ سمعت سفيان الثوري قال: قال لي حماد بن أبي سليمان:

  1. (١) أخرجه البخاري (١٣٦٧) ومسلم (٩٤٩) عن أنس بن مالك ﵁.
  2. (٢) تقدم (ص ٩٢٦ - ٩٢٧) تخريجه.
  3. (٣) (برقم ٢).
  4. (٤) «ح»: «حدثنا أبو نعيم سليمان الفارسي». وفيه سقط وتحريف، والمثبت من «م» (ق ٢١٢ أ) و«خلق أفعال العباد».
973

«أَبلِغْ أبا فلان المشركَ أني بريءٌ مِن دِينِه». وكان يقول: «إن القرآنَ مَخلوقٌ».

وذكَرَ عن خالد بن عبد الله القسري أنه خطبهم بواسطَ في يوم أضحى، وقال: ارجعوا فضَحُّوا، تقبل اللهُ ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عمَّا يقول الجعد علوًّا كبيرًا. ثم نزل فذبحه١.

أخبرنا محمد بن عبد الله أبو جعفر البغدادي، قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن يوسف، قال: كنت عند عبد الله بن إدريس، فجاء رجل فقال:

يا أبا محمد، ما تقول في قوم يقولون: القرآن مخلوق؟ قال: أمِن اليهودِ؟ قال: لا. قال: أفمِن النصارى؟ قال: لا. قال: أفمِن المجوس؟ قال: لا. قال: فمِمَّن؟ قال: من أهل التوحيد. قال: ليس هؤلاء من أهل التوحيد، هؤلاء الزنادقة، مَن زعم أن القرآن مخلوقٌ فقد زعم أن الله مخلوق. يقول الله ﷿: ﴿بِسْمِ اِللَّهِ اِلرَّحْمَنِ اِلرَّحِيمِ﴾ فالله لا يكون مخلوقًا، والرحمن لا يكون مخلوقًا، والرحيم لا يكون مخلوقًا، فهذا أصل الزندقة؛ مَن قال هذا فعليه لعنةُ الله، لا تجالسوهم ولا تناكحوهم٢.

قال البخاري٣: «وقال وهب بن جرير: «الجهمية زنادقةٌ، إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى».

قال البخاري٤: «وحلفَ يزيدُ بن هارون بالله الذي لا إله إلَّا هو مَن

  1. (١) «خلق أفعال العباد» (٣). وقد سبق (ص ٦٩٣) تخريج هذا الأثر.
  2. (٢) «خلق أفعال العباد» (٥).
  3. (٣) «خلق أفعال العباد» (٦).
  4. (٤) «خلق أفعال العباد» (٧).
974

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي