الصواعق المرسلة

ولا يتكلم ولا يَخلُق، وقالت الجهمية كذلك: لا يتكلم ولا يبصر. وقالوا: إن اسم الله مخلوق. ولقد اختصم يهوديٌّ ومسلمٌ إلى بعض معطِّلتهم، فقضى باليمين على المسلم، فقال اليهودي: حَلِّفْه. فقال المخاصَم له: أحلفُ بالله الذي لا إله إلَّا هو. فقال اليهودي: حَلِّفْه بالخالق لا بالمخلوق؛ فإن هذا من القرآن، وزعمتَ أن القرآن مخلوقٌ، فحلِّفْه بالخالق. فبُهت الآخر وقال: قُومَا حتى أنظر في أمركما. وخسر هنالك المبطلون».

وفي «تاريخ الخطيب»١ في ترجمة بشر المريسي عن إسحاق ابن عمِّ أحمد بن منيع٢ قال: «كان بشرٌ المريسي يقول [بقول]٣ صِنف من الزنادقة - سمَّاهم صنف كذا وكذا - يقولون: ليس بشيء».

وذكَر فيه٤ عن [يحيى بن]٥ علي بن عاصم قال: «كنت عند أبي، فاستأذن عليه بشر المريسي، فقلت: يا أبتِ يدخل عليك مثل هذا! فقال: يا بني، فما قال؟ قلت: إنه يقول: إن القرآن مخلوق، وإن الله ﷿ معه في الأرض، وإن الجنة والنار لم يُخلقا، وإن منكرًا ونكيرًا باطلٌ، وإن الصراط باطلٌ، وإن الميزان باطلٌ، وإن الشفاعة٦ باطلٌ، مع كلامٍ كثيرٍ. قال: فأَدخِلْه

  1. (١) (٧/ ٥٣٣ - ٥٣٤).
  2. (٢) في «تاريخ بغداد»: «إسحاق بن إبراهيم بن عمر بن منيع». وما في المتن هو الصواب، فهو إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن منيع البغوي، ابن عم أحمد بن منيع، ترجمته في «تهذيب الكمال» (٢/ ٣٦٦).
  3. (٣) سقط من «ح». وأثبته من «تاريخ بغداد».
  4. (٤) «تاريخ بغداد» (٧/ ٥٣٤ - ٥٣٥).
  5. (٥) من «تاريخ بغداد»، «اجتماع الجيوش الإسلامية» للمصنِّف (ص ٣٢٨).
  6. (٦) في «تاريخ بغداد»: «الساعة».
997

عليَّ. قال: فأدخلتُه عليه. قال: فقال: يا بشرُ، ادْنُهْ، ويلك يا بشر ادنه. مرتين أو ثلاثًا، فلم يزل يُدنيه حتى قرب منه. قال: ويلك يا بشر، مَن تعبد؟ وأين ربك؟ قال: فقال: وما ذاك يا أبا الحسن؟ قال: أُخبرت عنك أنك تقول: إن القرآن مخلوق، وإن الله معك في الأرض، مع كلامٍ كثيرٍ - ولم أر شيئًا أشد على أبي مِن قول القرآن مخلوق، وإن الله معه في الأرض - فقال: يا أبا الحسن، لم أجئ لهذا، وإنما جئتُ في كتاب خالد لتقرأه عليَّ. فقال له: ولا كرامةَ، حتى أعلم ما أنت عليه، أين ربك؟ ويلك! قال: أو تعفيني؟ قال: ما كنت لأُعفيك. قال: أما إذا أبيتَ فإن ربي نورٌ في نورٍ. قال: فجعل يزحف إليه ويقول: ويحكم اقتلوه؛ فإنه واللهِ زنديقٌ، وقد كلمتُ هذا الصنف بخراسان١».

وذكر فيه أيضًا٢ عن أبي يوسف القاضي أنه قال لبشر المريسي: «طلبُ العلم بالكلام هو الجهل، والجهلُ بالكلام هو العلم، وإذا صار رأسًا في الكلام قيل: زنديق، أو يُرمى بالزندقة. يا بشر، بلَغَني أنك تتكلم في القرآن، إنْ أقررت أن لله عِلمًا خُصمت، وإن جحدتَ العلم كفرتَ».

وذكر عبد الله بن أحمد٣ وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: «ليس في أصحاب الأهواء أشر من أصحاب جهم، يريدون أن

  1. (١) قال ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (٥/ ٤٩٦): «والصنف الذي أشار إليهم علي بن عاصم محتمل أنهم من أتباع المجوس القائلين بالأصلين النور والظلمة وأنهما امتزجا واختلطا؛ فإنهم لا يثبتون فوق العالم شيئًا كما تقول الجهمية».
  2. (٢) «تاريخ بغداد» (٧/ ٥٣٨).
  3. (٣) كتاب «السنة» (١٤٧).
998

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي