الصواعق المرسلة

وقد أخبر سبحانه عن حقيقة أقوال المخالفين لكتابه وسُنة رسوله بهذين الأمرين في قوله: ﴿وَاَلذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ١ فَاَلْحَامِلَاتِ وِقْرًا ٢ فَاَلْجَارِيَاتِ يُسْرًا ٣ فَاَلْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ٤ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ٥ وَإِنَّ اَلدِّينَ لَوَاقِعٌ ٦ وَاَلسَّمَاءِ ذَاتِ اِلْحُبُكِ ٧ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ٨ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ٩ قُتِلَ اَلْخَرَّاصُونَ ١٠ اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾١ [الذاريات: ١ - ١١]. فأقسم سبحانه بمخلوقاته طَبقًا بعد طَبَق، فأقسم أولًا بالرياح والذاريات، ثم بما فوقها، وهي السحاب الحاملات وقرًا، ثم بما فوقها، وهي النجوم الجاريات يُسرًا، ثم بما فوقها، وهي الملائكة المقسمات أمرًا. ثم أقسم بالسماء ذات الحُبك، وهي الطرائق التي هي كطرائق الماء حين تحركه الرياح. ومنه في وصف الدجَّال: «شَعَرُهُ حُبُكٌ»٢

أي: فيه تجعدٌ وتثنٍّ٣. ومنه قوله: «فِي السَّمَاءِ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ»٤.

  1. (١) تكلم المصنِّف في «التبيان في أيمان القرآن» (ص ٤٢٨ - ٤٣٨) على تفسير هذه الآيات كلامًا مفصلًا.
  2. (٢) أخرج عبد الرزاق في «المصنف» (٢٠٨٢٨) وأحمد في «المسند» (١٦٥١٨) والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ١٧٥) والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٥٠٨) من طريق معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة عن هشام بن عامر ﵁، ولفظه: «إن رأس الدجال من ورائه حُبك حُبك». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٤٣): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني». وقال ابن حجر في «إتحاف المهرة» (١٣/ ٦٣٠): «أظن فيه انقطاعًا». وأخرجه الإمام أحمد (٢٣٦٢٩، ٢٣٩٧٠) من طريق حماد بن زيد وابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجلٍ من أصحاب النبي به .. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٤٣): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح».
  3. (٣) «ح»: «نتن». وهو تصحيف.
  4. (٤) أخرجه الإمام أحمد (٨٩٥٠) والترمذي (٣٢٩٨) والبزار (٩٥٥٩) والجورقاني في «الأباطيل» (٦٥) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٨٤٩) من طريق قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب، ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد، قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة». وقال الجورقاني: هذا حديث باطل، وله علة تخفى على من لم يتبحر، فمن تأمل هذا الحديث، واعتبر أقوال رواته، يحكم عليه بالصحة لأمانتهم وعدالتهم، والعلة فيه إرسال الحسن، عن أبي هريرة؛ فإنه لم يسمع من أبي هريرة شيئًا». وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ٢٩٩) والطبري في «تفسيره» (٢٣/ ٨٠) عن معمر عن قتادة مرسلًا. قال ابن كثير في «تفسيره» (٧/ ٨): «ولعل هذا هو المحفوظ، والله أعلم».
1007

وهذا يتضمَّن حُسنها وبهجتها وكمال١ خَلقها.

فأقسم بذلك على أن الرادِّين لما بَعَث به رسوله المعارضين له بعقولهم في قولٍ مختلفٍ. ولهذا تجدهم دائمًا في قول مختلف، لا يثبت لهم قدم على شيءٍ يعوِّلون عليه. فتأمَّل أي مسألةٍ أردت من مسائلهم ودلائلهم تجدهم مختلفين فيها غاية الاختلاف، يقول هذا قولًا وينقضه الآخر، فيجيء الثالث فيقول قولًا غير ذَيْنك القولين، وينقضهما ويُبطِل أدلتهما. ولا تجد لهم مسألةً واحدةً إلَّا وقد اضطربوا٢ فيها حُكمًا ودليلًا، فهم أعظم الناس اختلافًا، حتى تجد الواحد منهم يقول القول ويدَّعي أنه قطعيٌّ، ثم يقول خلافه ويُبطِله، ويدَّعي أنه قطعيٌّ!

ثم أخبر سبحانه أن ذلك القول المختلف ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩]. أي يُصرف بشبهه عن الحق من صُرف، فلما كان انصرافه عن

  1. (١) «ح»: «وكما».
  2. (٢) «ح»: «اضطروا».
1008

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي