الصواعق المرسلة

عن الإيمان بالله ورسوله وأسماء الرب وصفاته، وهي خيالات جَهْلية شُبِّهت عليهم، فظنوها قواطع عقلية.

وترتب لهم على هذين الأصلين أصلان آخران: تلقيبُ الحق المنزَل وأصحابه بالألقاب الشنيعة المنفِّرة، كتلقيبه بالتجسيم والتشبيه والتمثيل والتركيب، وتلقيب الآخِذين به بالمشبهة والمجسمة والحشوية، وتلقيب الكفر والضلال والإلحاد بالألقاب المستحسنة كالتوحيد والتنزيه والعدل، وتلقيب أصحابه بالموحدين أهل العدل والتوحيد والتنزيه.

فترتب١ لهم على ذلك أصلان آخران: الإعراضُ عن القرآن والسُّنَّة جملةً، ومعارضتهما بآراء الرجال وعقولهم الفاسدة المتهافتة المتناقضة.

ثم ترتب لهم على ذلك أصلان آخران: معاداةُ أهل الحق، وموالاة أهل الباطل.

وبَقِيَ أمران آخران، إنما يظهران إذا بُعثر ما في القبور، وحُصل ما في الصدور، ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اَللَّهِ مَوْلَاهُمُ اُلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]. يوضحه:

الوجه التاسع والتسعون بعد المائة: أن هؤلاء المعطلة النُّفاة من

الجهمية ومَن اتبعهم لا يمكن على أصولهم التي أصَّلوها وقواعدهم

التي أسَّسوها محبةُ الله، ولا مدحُه، ولا حمده وتمجيده والثناء عليه، ولا الرضى به، ولا الابتهاجُ بقربه ولا الفرحُ به، ولا اللذة العظمى برؤية وجهه، ولا لذةُ الآذان والأرواح بسماع كلامه، بل ولا الشوق إليه،

  1. (١) «ح»: «فرتب».
1011

ولا الإنابة١ ولا الطمأنينة به وإليه، ولا الأمنُ من عذابه لهم بغير جُرْمٍ٢ أصلًا، ومن إبطاله أعمالهم الصالحة بغير سببٍ.

بل أعظم من ذلك أنهم سدُّوا على أنفسهم طريقَ العلم بإثباته وإثبات ربوبيته إلَّا بما يُنافي صفاته وأفعاله، فليس لهم طريقٌ إلى إثبات ذاته إلَّا بما يستلزم نفي ذاته وصفاته وأفعاله. وسدُّوا على أنفسهم طريق العلم بصدق رسله بتجويزهم عليه كل٣ شيءٍ، حتى إنه يجوز عليه تأييد٤ الكاذب المفتري عليه بأعظم المعجزات، وليس في العقل ما يُحيل ذلك عندهم. وسدُّوا على أنفسهم طريق العلم بالمعاد؛ لأنهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد، ولا حقيقة له. وهذه جملةٌ إنما يظهر تفصيلها عند الكلام على مسائلهم ودلائلهم.

أمَّا محبة الربِّ سبحانه فإنهم صرحوا بأنه لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ، واستدلوا على ذلك بما هو مناقِض للفطرة والعقل والشرائع، كما سنذكره٥ إن شاء الله. وأصل الدِّين هو كونُه سبحانه يُحِبُّ ويُحَبُّ٦؛ فإن الشرائع مبناها على شهادة أن لا إله إلَّا الله، والإله هو المستحقُّ لكمال الحب بكمال التعظيم والإجلال والذُّل له والخضوع له. فإنكار المحبة إنكار لنفس الإلهية. وأمَّا

  1. (١) «ح»: «الأمانة». وستأتي على الصواب.
  2. (٢) الجُرْم: الذنب. «الصحاح» (٥/ ١٨٨٥).
  3. (٣) «ح»: «بكل».
  4. (٤) «ح»: «تأبيد».
  5. (٥) سيأتي في الوجه التالي.
  6. (٦) «ح»: «ولا يحب». وزيادة «لا» خطأ يفسد المعنى.
1012

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي