الصواعق المرسلة

ولا الإنابة١ ولا الطمأنينة به وإليه، ولا الأمنُ من عذابه لهم بغير جُرْمٍ٢ أصلًا، ومن إبطاله أعمالهم الصالحة بغير سببٍ.

بل أعظم من ذلك أنهم سدُّوا على أنفسهم طريقَ العلم بإثباته وإثبات ربوبيته إلَّا بما يُنافي صفاته وأفعاله، فليس لهم طريقٌ إلى إثبات ذاته إلَّا بما يستلزم نفي ذاته وصفاته وأفعاله. وسدُّوا على أنفسهم طريق العلم بصدق رسله بتجويزهم عليه كل٣ شيءٍ، حتى إنه يجوز عليه تأييد٤ الكاذب المفتري عليه بأعظم المعجزات، وليس في العقل ما يُحيل ذلك عندهم. وسدُّوا على أنفسهم طريق العلم بالمعاد؛ لأنهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد، ولا حقيقة له. وهذه جملةٌ إنما يظهر تفصيلها عند الكلام على مسائلهم ودلائلهم.

أمَّا محبة الربِّ سبحانه فإنهم صرحوا بأنه لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ، واستدلوا على ذلك بما هو مناقِض للفطرة والعقل والشرائع، كما سنذكره٥ إن شاء الله. وأصل الدِّين هو كونُه سبحانه يُحِبُّ ويُحَبُّ٦؛ فإن الشرائع مبناها على شهادة أن لا إله إلَّا الله، والإله هو المستحقُّ لكمال الحب بكمال التعظيم والإجلال والذُّل له والخضوع له. فإنكار المحبة إنكار لنفس الإلهية. وأمَّا

  1. (١) «ح»: «الأمانة». وستأتي على الصواب.
  2. (٢) الجُرْم: الذنب. «الصحاح» (٥/ ١٨٨٥).
  3. (٣) «ح»: «بكل».
  4. (٤) «ح»: «تأبيد».
  5. (٥) سيأتي في الوجه التالي.
  6. (٦) «ح»: «ولا يحب». وزيادة «لا» خطأ يفسد المعنى.
1012

فروعها فمبناها على كونه سبحانه يُحب أقوالًا وأعمالًا، ويمدح [فاعليها]١، ويُثني عليهم ويُقرِّبهم منه، ويبغض أقوالًا وأعمالًا، ويذم فاعليها ويبغضهم ويبعدهم منه. [وعندهم]٢ أنه لا يُحِب ولا يبغض، بل كل ما شاءه فهو محبوبٌ له، وما لم يَشَأْه فهو مبغوضٌ، فإن محبته عندهم هي إرادته. ولهذا قالوا: لا يحبه أحدٌ؛ لأن المحبة نوعٌ من الإرادة، والقديم لا يمكن أن يُراد.

وأمَّا أنه لا يُمدح ولا يُحمد، فلِمَا قرَّروا أن المدح هو مجرد الإخبار عن استحقاق الممدوح ما يلتذُّ به ويفرح به، واللذة والألم عليه محالٌ، كما سنذكر ألفاظهم [ق ١٢٠ أ] بعد هذا الوجه والكلام عليها.

وأمَّا الرضا به والابتهاج والسرور بقُربه فذلك من توابع المحبة، وعندهم أنه لا يمكن تعلق المحبة به بوجهٍ.

وأمَّا اللذة برُؤية وجهه وسماع كلامه، فليس له عندهم وجهٌ، ولا يُرى بحال، ولا يكَّلم ولا يمكن أن يتكلم.

وأمَّا الإنابة إليه، فأصل الإنابة محبة القلب وخضوعه وذله للمحبوب المراد، فمن لا يُحَبُّ لا يمكن الإنابة إليه.

وكذلك الفرح والسرور بقُربه عندهم أنه أمرٌ محالٌ.

وأمَّا الطمأنينة به والأمن من عذابه بغير جُرمٍ فلا طريقَ لهم إلى ذلك؛ لأنهم يُجوِّزون عليه أن يُعذِّب أعظم أهل طاعته، ويُنَعِّم أكفرَ الخلق به،

  1. (١) «ح»: «فاعلها». والمثبت ما يقتضيه السياق.
  2. (٢) «ح»: «وعنده».
1013

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي