كماله ومستلزمًا لأمرٍ ثبوتيٍّ يُوصف به لم يكن في تنزيهه عنه مدحٌ ولا حمدٌ ولا تمجيدٌ ولا تسبيحٌ، إذ العدم المحض - كاسمه - لا حمد فيه ولا مدح، وإنما يُمدح سبحانه بنفي أمور تستلزم أمورًا هي حقٌّ ثابتٌ [ق ١٢١ أ] موجودٌ يستحق الحمد عليها، وذلك الحق الموجود ينافي ذلك الباطلَ المنفي؛ فيُستدل برفع أحدهما على ثبوت الآخر. فتارةً يستدل بثبوت تلك المحامد والكمالات على نفي النقائص التي تنافيها، وتارةً يُستدل بنفي تلك النقائص على ثبوت الكمالات التي تنافيها.
﴿وَلَا يَخَافُ عُقْباهَا﴾[الشمس: ١٦] فنفى عن نفسه خوف عاقبة ما فعله من إهلاك أعدائه، بخلاف المخلوق؛ فإنه إذا انتقم من عدوه يخاف عاقبة ذلك، إمَّا من الله وإمَّا من المنتصرين لعدوه، وذلك على الله٢ محال. والخوف
(١) «ح»: «كفرده». والمثبت هو الصواب.
(٢) «ح»: «أنه». والمثبت هو الصواب.
يتضمن نقصانَ العلم والقدرة والإرادة؛ فإن العالم بأن الشيء لا يكون لا يخافه، والعالم بأنه يكون ولا بد قد يَئِسَ من النجاة منه فلا يخاف، وإن خاف فخوفُه دون خوف الراجي. وأمَّا نقص القدرة فلأن الخائف من الشيء هو الذي لا يمكنه دفعه عن نفسه؛ فإذا تيقَّن أنه قادرٌ على دفعه لم يخفه. وأمَّا نقص الإرادة فلأن الخائف يحصل له الخوفُ بدون مشيئته واختياره، وذلك محالٌ في حقِّ من هو بكل شيءٍ عليمٌ، وعلى كل شيءٍ قديرٌ، ومَن لا يكون شيءٌ إلَّا بمشيئته وإرادته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وهذا لا ينافي كراهته سبحانه وبغضه وغضبه؛ فإن هذه الصِّفات لا تستلزم نقصًا لا في علمه ولا في قدرته ولا في إرادته، بل هي كمالٌ؛ لأن سببها العلم بقبح المكروه المبغوض المغضوب عليه، وكلما كان العلم بحاله [أتم]١ كانت كراهته وبغضه أقوى، ولهذا يشتد غضبه سبحانه على مَن قتل نبيَّه أو قتله نبيُّه٢.
فصل
وإن قال: أعني بذلك ما هو أعمُّ من شهوة الحيوان وألمه ولذته ونُفْرته. قيل له: الشهوة والنفرة جنسهما الحبُّ والبغض، فكل مشتهٍ لشيءٍ فهو
(١) «ح»: «أهم». والمثبت هو الصواب.
(٢) أخرج البخاري (٤٠٧٣) ومسلم (١٧٩٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اشتدَّ غضبُ الله على رجلٍ يقتله رسولُ الله ﷺ في سبيل اللهِ ﷿». وأخرج الإمام أحمد في «مسنده» (٣٩٤٥) والبزار في «مسنده» (١٧٢٨) والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٦) عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أشدُّ الناسِ عذابًا يوم القيامة رجلٌ قتله نبيٌّ أو قتلَ نبيًّا ...». وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ١٦٨): «رواه البزار بإسنادٍ جيدٍ».