به إمَّا أن يكون في الأزل أو لا يكون، والقسمان باطلان١، فالقول بصحة اللذة على الله محالٌ. وإنما قلنا إنه لا يصح٢ خلقُه للملتذِّ به في الأزل؛ لأن الفعل الأزلي محالٌ، وإنما قلنا يستحيل أن يكون حادثًا؛ لأنه إذا كان حادثًا كان ممكنًا قبل كونه، وإلَّا كان ممتنعًا ثم انقلب إلى الإمكان وهو محالٌ. وإذا كان ممكنًا فالله قادرٌ على إيجاده قبل ذلك، وإلا كان منتقلًا من [العجز إلى القدرة]٣ وهو محالٌ. وإذا ثبت ذلك فنقول: كل مَن صحَّت عليه اللذة إذا كان عالمًا بقدرته على تحصيل الملتذِّ به، وكان الملتذُّ به في نفسه ممكنًا فإنه يكون كالملجأ إلى إيجاد الملتذ به، وإذا كان كذلك لزم كونُه تعالى فاعلًا للملتذِّ به قبل فِعله، وذلك محالٌ. فثبت أن القول بصحة اللذة على الله محالٌ؛ لأنه يُفضي إلى المحال، وما أفضى إلى المحال محالٌ».
ومضمون هذه الحجة بعد تطويل مقدماتها أن جواز ذلك عليه مستلزمٌ لكون الملتذِّ به حادثًا، وكونه متقدمًا على حدوثه، وكون الشيء متقدمًا على وجوده محالٌ. وفسادها بيِّنٌ من وجوهٍ:
أحدها: النقض والمعارضة بالإرادة والمحبة والرحمة والرضى، بأن يقال: لو صحت على الله الإرادة والمحبة والرِّضى لكان فِعله للمراد المحبوب المرضي إمَّا في الأزل وهو محالٌ، وإمَّا فيما لم يزل وهو محال؛ لما ذكره بعينه من مقدمات دليله.
الوجه الثاني: أن لفظ اللذة والألم من الألفاظ التي فيها إجمالٌ واشتباهٌ،
(١) «نهاية العقول»: «محالان». وذكر محققه أن ما هاهنا في نسخة.
(٢) «لا يصح» في «نهاية العقول»: «يستحيل». وذكر محققه أن ما هاهنا في نسخة.
(٣) «ح»: «من القدرة إلى العجز». والمثبت من «نهاية العقول».
كلفظ الجسم١ والحيز والتركيب وغيرها، وليس لها ذكرٌ في الكتاب والسُّنَّة بنفيٍ ولا إثباتٍ، بل جاء في القرآن والسُّنَّة وصفُه بالمحبة والرِّضى والفرح والضحك، ووصفه بأنه يصبر على ما يُؤذيه، وإن كان العباد لا يبلغون نفعه فينفعونه ولا ضره فيضرونه٢. والذي نفاه هؤلاء يُدرجون تحته ما وصف به نفسه، وهو إبطالٌ لِمَا جاءت به الرسلُ، ونزلت به الكتبُ، ولِمَا خُلق الخلق لأجله؛ فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كُتبه، ليدعو الخلق إلى ما يُحبُّه ويرضاه، وينهاهم عمَّا يبغضه ويسخطه. وقد أخبر رسوله عنه من محبته ورضاه وفرحه وضحكه وتَبَشْبُشِه٣ بأوليائه وأحبائه وأهل طاعته، وعن غضبه وسَخَطه وبغضه ومقته وكراهته لأعدائه وأهل مخالفته، ممَّا يضيق هذا المكان عن استقصائه.
وعلى هذا الأصل تنشأ مسألة التحسين والتقبيح، وقد ذكرناها مستوفاةً
(١) «ح»: «الجسيم». والمثبت هو الصواب.
(٢) أخرج مسلم في «صحيحه» (٢٥٧٧) عن أبي ذر الغفاري ﵁، عن النبي الله ﷺ، فيما روى عن الله ﵎ قال: «يا عبادي، إنكم لن تَبلُغُوا ضَرِّي فتَضُرُّوني، ولن تبلغوا نَفْعي فتنفعوني».
(٣) «ح»: «وتسيسه». وهو تصحيف. يشير المصنِّف إلى ما أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٨١٨٠، ٨٤٦٥، ٨٦٠٣، ٩٩٧٦) وابن ماجه في «سننه» (٨٠٠) وابن خزيمة في «صحيحه» (٣٥٩، ١٤٩١، ١٥٠٣) وابن حبان في «صحيحه» (١٦٠٧) والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢١٣) عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «لا يتوضأ أحدٌ فيُحسِن وضوءه ويُسبِغه، ثم يأتي المسجدَ لا يريدُ إلا الصلاةَ فيه، إلَّا تبشبش اللهُ به كما يتبشبشُ أهلُ الغائب بطَلْعته». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». والبشاشة: طلاقة الوجه، يقال: لقيته فتبشبش بي. «الصحاح» (٣/ ٩٩٦).