فإني أقول: لا إله إلَّا الله الذي يُرى في الآخرة. وهو يقول: لا إله إلَّا الله الذي لا يُرى في الآخرة»١.
وكذلك جاءت السُّنن عن رسول الله ﷺ كما روى مسلم في «صحيحه»٢ عن صُهَيبٍ، عن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَمَا أَعَطَاهُمُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَهِيَ الزِّيَادَةُ». فأخبر الصادق المصدَّق أن نظرهم إليه أحبُّ إليهم من كل ما أعطاهموه.
وكذلك ما رواه الإمام أحمد٣ وأهل السُّنن٤ وابن حِبَّان٥ في
(١) أخرجه البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٠٩) وابن عبد البر في «الانتقاء» (ص ٧٨).
(٢) (١٨١) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب ﵁. وقد تفرد به حماد بن سلمة هكذا، وخالفه غيره. قال الترمذي في «الجامع» (٢٥٥٢): «هذا حديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه. وروى سليمان بن المغيرة وحماد بن زيد هذا الحديث عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قوله». وقال البزار في «مسنده» (٢٠٨٧): «والحديث إذا رواه الثقة كان الحديث له إذا زاد، وكان حماد بن سلمة ﵁ من خيار الناس وأمنائهم». وقال المصنِّف في «حادي الأرواح» (٢/ ٦٣٨): «هذا حديثٌ رواه الأئمة عن حمادٍ، وتلقوه عن نبيهم بالقبول والتصديق».
(٣) (١٨٦١٥).
(٤) النسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦).
(٥) (١٩٧١). والحديث أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٢٤) وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».
الوجه السادس: وهو أن اللذة والفرح تابعةٌ للمحبة في الكمال والقوة، والمحبة تابعة لمعرفة المحب بصفات المحبوب وجماله. فكلما كان العلم به أكملَ كانت محبته أقوى، وكلما كانت المحبةُ أقوى كانت اللذة والفرح به أكملَ وأتم. وإذا ثبت هذا فإذا كان العبادُ يحصل لهم بمعرفته وذِكره ورؤيته واستماعِ كلامه منه ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، وهو سبحانه أعلمُ بنفسه من غيره، وكذلك كان حمدُه لنفسه وثناؤه على نفسه أعظمَ مِن حمد الحامدين له وثناء المُثْنِين عليه؛ فإن الحمد والثناء تابعٌ للمعرفة والعلم بصفات المحمود، ولهذا كان النبي ﷺ أعظمَ الناس حمدًا لربه وثناءً عليه؛ لما كان أعلمَ الخلق به. فثناءُ الربِّ سبحانه على نفسه وحمده لنفسه وتمجيده لنفسه ومحبته لنفسه ورضاه عن نفسه فوق ما يخطر ببال الخلق، أو يدور في قلوبهم، أو تجري به ألسنتُهم؛ كما قال النبي ﷺ: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً