وفي «الصحيح»١ عن البراء بن عازبٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «كَيْفَ تَقُولُ بِفَرَحِ عَبْدٍ إِذَا انْفَلَتَتْ مِنْهُ رَاحِلَتُهُ، تَجُرُّ زِمَامَهَا بِأَرْضٍ قَفْرٍ لَيْسَ فِيهَا طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ، وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ، فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّتْ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا، فَوَجَدَهَا مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟» قلنا: شديدًا، يا رسول اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ، لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ».
وفي «الصحيح»٢ عن أنسٍ أن رسول الله [ق ١٢٣ أ]ﷺ قال: «اللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ أَضلَّهُ بِأَرْضِ فَلاةٍ».
وفي كتاب «العلل» للدارقطني٣: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنَ الْعَقِيمِ الْوَالِدِ وَالمُضِّلِّ٤ الوَاجِدِ وَالظَّمْآنِ الْوَارِدِ٥» هذا أو نحوه.
(١) «صحيح مسلم» (٢٧٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٩) ومسلم (٢٧٤٧).
(٣) (٧/ ٢٦٩ - ٢٧٠) معلقًا عن أبي هريرة ﵁، وفيه: «من الضال الواجد». والحديث أخرجه أبو عوانة في «مستخرجه» - كما في «إتحاف المهرة» (١٨٧٢٢) - والحسن الخلال في «المجالس العشرة» (٨٦) وابن عساكر في «التوبة» (٥) وأبو طاهر السِّلفي في «مشيخة أبي عبد الله الرازي» (٢٤) من طريق عطية بن بقية بن الوليد، عن أبيه، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁. وقال الدارقطني: «تفرد به عنه ابنه عطية بن بقية».
(٤) في «علل الدارقطني»: «الضال».
(٥) «من العقيم الوالد» أي: من المرأة التي لا تلد إذا ولدت، «ومن الضال الواجد» أي: الذي ضل راحلته ثم وجدها، «ومن الظمآن الوارد» أي: ومن العطشان إلى ورود الماء». «فيض القدير» (٥/ ٢٥٢).
ولو كان في المفروح به أعلى من هذا المثال لذكره. فتأمَّل سائرًا وحدَه بأرض مفازةٍ معطشةٍ لا ماء بها ولا زاد، ضلت راحلته فيها فاشتد جوعه وظمؤه، فأيس من الحياة، فاضطجع في أصل شجرةٍ ينتظر الموت، ثم استيقظ فإذا الراحلة قائمة على رأسه وعليها طعامه وشرابه، كما جاء ذلك مصرحًا به في بعض طرق هذا الحديث١. فهل في الفرح قط أعظم من هذا. ولهذا الفرحِ بتوبة العبد سرٌّ أكثر الخلق محجوبون عنه، لا تبلغه عقولهم. وبه يُعرف سرُّ تقدير ما يُتاب منه على العبد؛ لأنه يترتب عليه ما هو أحب إلى الربِّ سبحانه من عدمه. فلو لم يكن في تقدير الذنب من الحِكَم إلَّا هذه وحدها لكانت كافيةً، فكيف وفيه من الحِكَم ما لا يحصيه إلَّا الله، ممَّا ليس هذا موضعه٢.
الوجه العاشر: أن الجهمي احتجَّ على امتناع ذلك عليه بأن هذا انفعال وتأثير عن العبد، والمخلوق لا يؤثر في الخالق، فلو أغضبه أو فعل ما يفرح به لكان المُحْدَث قد أثَّر في القديم تلك الكيفيات، وهذا محالٌ.
وهذه الشُّبهة من جنس شُبَههم التي تُدهش السامع أول ما تطرق سمعه وتأخذ منه وتروعه، كالسِّحر الذي يُدهش الناظر أول ما يراه ويأخذ ببصره، وكصولة المبطل الجبان الذي يحمل أول أمره على خصمه. وهكذا شُبه
(١) أخرجه البخاري (٦٣٠٨) ومسلم (٢٧٤٤) عن عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) توسع المصنِّف في ذكر هذه الحِكَم في «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٨١١ - ٨٤٧) وفي «طريق الهجرتين» (٣٦٢ - ٣٧٢). وقد ابتدأه المصنِّف في «المفتاح» بقوله: «وهذا باب عظيم من أبواب المعرفة، قل من استفتحه من الناس، وهو شهود الحكمة البالغة في قضاء السيئات وتقدير المعاصي ... فقل أن ترى لأحدهم فيه ما يشفي أو يُلم».