الصواعق المرسلة

القوم كلها، هي كحبال السحرة وعِصِيِّهم التي خُيِّل إلى موسى أنها تسعى ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسى ٦٦ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ اَلْأَعْلى ٦٧ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلَقَّفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ اُلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ [طه: ٦٦ - ٦٨]. فهكذا الحجة الحق تبطل جميع الشُّبه الباطلة التي هي للعقول كحبال السحرة وعصيِّهم للأبصار. وجواب هذه الشبهة من وجوه:

أحدها: أن الله سبحانه خالق كل شيءٍ وربُّه ومليكه١، وكل ما في الكون من أعيان وأفعال وحوادث فهو بمشيئته وتكوينه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، قضيتان لا تخصيص فيهما٢ بوجهٍ من الوجوه. وكل ما يشاؤه فإنما يشاؤه بحكمةٍ اقتضاها حمدُه ومجدُه، فحكمته البالغة أوجبت كل ما في الكون من الأسباب والمسببات٣، فهو سبحانه خالق الأسباب التي ترضيه وتغضبه، وتسخطه ويفرح بها، والأشياء التي يحبها ويكرهها، هو سبحانه خالق ذلك كله، فالمخلوق أعجز وأضعف أن يُؤثر فيه سبحانه، بل هو الذي خلق ذلك كله على علمه بأنه يحب هذا ويرضى به، ويبغض هذا ويسخطه، ويفرح بهذا، فما أثَّر غيره فيه بوجهٍ.

الثاني: أن التأثير لفظ فيه اشتباه وإجمال، أتريد به٤ أن غيره لا يُعطيه كمالًا لم يكن له ولا يُوجد٥ فيه صفة كان فاقدها؟ فهذا معلومٌ بالضرورة.

  1. (١) «ح»: «ملائكته». وهو تحريف، والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «فيها». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «والمشيات». وهو تصحيف، والمثبت من «م».
  4. (٤) من «م».
  5. (٥) «ح»: «وجد». والمثبت من «م».
1037

أم تريد١ به أن غيره لا يُسخطه ولا يُغضبه ولا يفعل ما يفرح به أو يحبه أو يكرهه أو نحو ذلك؟ فهذا غير ممتنعٍ. وهو أول المسألة، وليس معك في نفيه إلَّا نفس الدعوى بتسمية ذلك تأثيرًا في الخالق، وليس الشأن في الأسماء، إنما الشأن في المعاني والحقائق. وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اُتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اَللَّهَ﴾ [محمد: ٢٩]. وقال النبي ﷺ لأبي بكر في أهل الصُّفَّة: «إِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ». فما الدليل العقلي أو النقلي على استحالة هذا؟!

الثالث: أن هذا يبطل محبته لطاعات المؤمنين، وبغضه لمعاصي المخالفين، وكراهته لظلم الظالمين إذا فعلوا ذلك. وهذا معلوم البطلان بالضرورة والعقل والفطرة الإنسانية واتفاق أهل الأديان كلهم وإطباق الرُّسل، بل هذا حقيقة دعوة الرُّسل بعد التوحيد٢.

الرابع: أن هذا ينتقض بإجابة دعواتهم، وإغاثة لهفاتهم، وسماع أصواتهم، ورؤية حركاتهم وأفعالهم، فإن هذه كلها أمور متعلقة بأفعالهم. فما كان جوابك عنها في محل الإلزام. فهو جواب منازعيك لك في هذا المقام.

فصل

الوجه الحادي عشر: أن قولك: «يستحيل أن يخلق الملتذ به في الأزل وألَّا يخلقه في الأزل ...» إلى آخره، مبنى الحجة على مقدمتين:

  1. (١) «ح»: «أنه يريد». والمثبت من «م».
  2. (٢) يريد أن حقيقة دعوة الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - بعد التوحيد محبة الله لطاعات المؤمنين، وبغضه لمعاصي المخالفين، وكراهته لظلم الظالمين.
1038

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي