الصواعق المرسلة

بعضهم على بعضٍ يوجب تفضيل بعضهم على بعضٍ، ولا يحصل ذلك مع التسوية بينهم، فإن الجمع بين التسوية والتفضيل جمع بين النقيضين، وذلك محالٌ.

الوجه السادس عشر: أن يقال: اللذة - التي هي الفرح والرضا والسرور ونحوها - يجب وجودها من القادر إذا كان مستغنيًا عنها بلذةٍ أخرى أكمل منها أم مطلقًا؟ إن قلتم بالثاني فهو ممنوعٌ، وإن قلتم بالأول قيل: فالله سبحانه مستغنٍ عن أن يُحْدِث كل ما يقدر [ق ١٢٤ أ] عليه من هذه الأمور في وقتٍ واحدٍ. بل إذا كان العبد مستغنيًا عن فعل ما هو من جنس اللذات مع قدرته على ذلك فالله أجلُّ وأعظم.

فإن قال: إذا كان غنيًّا عنها لم تكن لذة.

قيل: إن صحَّ هذا فهو حجة عليكم ومبطلٌ لحجتكم.

الوجه السابع عشر: أن يقال: هو لا يحدثها إلَّا إذا أحبها ورضيها وتضمنت فرحه بها، وحيث لا يكون ذلك لا تكون محبوبة ولا مرضية له ولا مفروحًا بها. فالأمور التي يحبها الله ويرضاها ويفرح بها لها صفاتٌ ومقادير تقتضي أن تكون محبوبةً مرضيةً مفروحًا بها في وقتٍ دون وقتٍ، كما تقتضي أن تكون مراده في وقتٍ دون وقتٍ.

1042

فإن قلت: هذا يقتضي حلول الحوادث به.

قيل: هذا لا يمتنع على أصول الطائفتين، فمن قال بهذه المسألة من المتكلمين والصوفية والفقهاء وجمهور أهل الحديث وأكثر الفلاسفة لم يرد هذا عليه. ومن منع ذلك فإنه يقول فيه ما يقوله في محبته ورضاه: أنه قديمٌ أزليٌّ لم يزل محبًّا راضيًا مواليًا لمن أحبه ورضيه ووالاه، ولم يزل غضبان مبغضًا لمن غضب عليه وأبغضه وعاداه. ويقول: إن المتجدد هو التعلق فقط. وهذا قول ابن كُلَّاب والأشعري ومن وافقه من الفقهاء والمُحَدِّثين والمتكلمين.

الوجه الثامن عشر: أن يقال: لو صحَّ ما ذكرته كان مستلزمًا ألَّا يخلق الربُّ تعالى شيئًا، أو يخلق كل شيءٍ قبل خلقه إياه. وهو من جنس شُبه الدهرية الفلاسفة في قدم العالم، قالوا: المقتضي لوجود العالم إن كان تامًّا في الأزل وجب وجوده، وإن لم يكن تامًّا لزم ألَّا يوجد.

وهذا منقوضٌ بما١ يوجد من الحوادث اليومية. ووجه الإلزام أن يقال: لو صحَّ عليه الخلق والإبداع والإرادة لكان إمَّا خالقًا لمراده في الأزل وهو محالٌ، وإمَّا ألَّا يخلقه في الأزل وهو محالٌ؛ لأنه ممكنٌ مقدورٌ، وكل من صحَّت عليه الإرادة والخلق والإبداع إذا كان عالمًا بقدرته على تحصيل مراده وهو ممكنٌ مقدورٌ فإنه يكون كالمُلجأ إلى إيجاد مراده.

فإن قلت: الإرادة من شأنها أن تخصص٢ وتميز، والله سبحانه أراد

  1. (١) «ح»: «ما». والمثبت هو الصواب.
  2. (٢) «ح»: «تخصيص». والمثبت هو الصواب.
1043

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي