الصواعق المرسلة

له [ما]١ يختص به صفةً وقدرًا، وللحوادث أوقات يختص بها، فذاته سبحانه إن كانت مقتضية لوجود كل موجودٍ وجب وجود كل ممكنٍ مقارنًا لوجوده، وإن لم تكن مقتضية للوجود لزم ألَّا يوجد عنه شيءٌ.

فإذا قالوا: لا يمكن للأمر إلَّا كذا، كان هذا جوابنا بعينه في هذا المقام.

الوجه العشرون: أنهم فسَّروا في مسألة التحسين والتقبيح الحمد والذمَّ بما يستلزم اللذة والألم، كما فعل ابن الخطيب وغيره لما ناظروا القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين. قال٢ بعد مطالبته لهم بحقيقة المدح والذم:

«فإن قيل: فما حقيقة المدح والذمِّ عندكم؟

قلنا: المدح هو الإخبار عن كون الممدوح مستحقًّا لأن يفعل به ما يفرح به أو يلتذ به، والذمُّ هو الإخبار عن كونه مستحقًّا [ق ١٢٤ ب] لأن يفعل به ما يحزن به».

قال: «ولكن إذا فسَّرنا المدح والذمَّ بذلك استحال تصوره في حقِّ الله؛ لاستحالة الفرح والغمِّ عليه».

قال: «وقد [يمكننا أن نوجه]٣ هذا السؤال ابتداء على سبيل المطالبة من غير التزام لتقسيمٍ [حاصر]٤، فنقول: معنى الاتضاع والارتفاع الأمر الذي يسوءه ويحزن به، والذي يسرُّه ويفرح به، أو أمر آخر وراء ذلك. فإن كان الأول لم يتقرَّر معناه في حقِّ الله تعالى لاستحالة الفرح والحزن عليه،

  1. (١) سقط من «ح».
  2. (٢) «نهاية العقول» (٣/ ٢٤١ - ٢٤٢).
  3. (٣) «ح»: «حكينا أن توجُّه». والمثبت من «نهاية العقول».
  4. (٤) «ح»: «خاص». والمثبت من «نهاية العقول».
1045

وإن كان الثاني فبيِّنوه، فإنا بعد الإنصاف١ جرَّبنا أنفسنا فلم نجد للمدح والذمِّ حاصلًا وراء الفعل المؤدي إلى الفرح والحزن».

فليتدبَّر العاقل هذا الكلام حقَّ التدبُّر وما يلزم منه، فإنه إذا كان حقيقة المدح هو الخبر الذي يتضمن فرح الممدوح ولذته، والذمُّ خبرٌ يتضمن ألم المذموم فلا يتصور مدحٌ ولا ذمٌّ عنده إلَّا مع اللذة والألم. وقد عُلم بالاضطرار من دين المسلمين كلهم، بل ومن دين جميع الرسل أن الله سبحانه يُحمد ويُمدح ويُثنى عليه، وأنه يحب ذلك ويرضاه ويأمر به، بل حمده والثناء عليه من أعظم الطاعات وأجلِّ القربات.

وفي «المسند»٢ من حديث الأَسْود بن سَرِيع قال: أَتَيْتُ رسولَ الله ﷺ فَقُلْتُ: يا رسول الله، إنِّي قد حَمِدتُ ربي ﵎ بِمحامِدَ ومِدَحٍ، وإيَّاكَ. فقال رسول الله ﷺ: «أَمَا إِنَّ رَبَّكَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمَدْحَ، هَاتِ مَا امْتَدَحْتَ بِهِ رَبَّكَ». فقال: فجَعَلتُ أُنْشِدُه.

وفي «الصحيحين»٣ من حديث عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ

  1. (١) «نهاية العقول»: «الاتصاف».
  2. (٢) (١٥٨٣٠). والحديث أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٨٦٨) والنسائي في «السنن الكبرى» (٧٦٩٨) والطبراني في «المعجم الكبير» (١/ ٢٨٢) والحاكم في «المستدرك» (٣/ ٦١٤) والضياء في «الأحاديث المختارة» (٤/ ٢٥٠ - ٢٥٢) وغيرهم. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ١١٨): «رواه أحمد والطبراني بنحوه بأسانيد، ورجال أحدها عند أحمد رجال الصحيح». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣١٧٩).
  3. (٣) البخاري (٤٦٣٤) ومسلم (٢٧٦٠).
1046

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي