وإن كان الثاني فبيِّنوه، فإنا بعد الإنصاف١ جرَّبنا أنفسنا فلم نجد للمدح والذمِّ حاصلًا وراء الفعل المؤدي إلى الفرح والحزن».
فليتدبَّر العاقل هذا الكلام حقَّ التدبُّر وما يلزم منه، فإنه إذا كان حقيقة المدح هو الخبر الذي يتضمن فرح الممدوح ولذته، والذمُّ خبرٌ يتضمن ألم المذموم فلا يتصور مدحٌ ولا ذمٌّ عنده إلَّا مع اللذة والألم. وقد عُلم بالاضطرار من دين المسلمين كلهم، بل ومن دين جميع الرسل أن الله سبحانه يُحمد ويُمدح ويُثنى عليه، وأنه يحب ذلك ويرضاه ويأمر به، بل حمده والثناء عليه من أعظم الطاعات وأجلِّ القربات.
وفي «المسند»٢ من حديث الأَسْود بن سَرِيع قال: أَتَيْتُ رسولَ الله ﷺ فَقُلْتُ: يا رسول الله، إنِّي قد حَمِدتُ ربي ﵎ بِمحامِدَ ومِدَحٍ، وإيَّاكَ. فقال رسول الله ﷺ: «أَمَا إِنَّ رَبَّكَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمَدْحَ، هَاتِ مَا امْتَدَحْتَ بِهِ رَبَّكَ». فقال: فجَعَلتُ أُنْشِدُه.
وفي «الصحيحين»٣ من حديث عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ
(١) «نهاية العقول»: «الاتصاف».
(٢) (١٥٨٣٠). والحديث أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٨٦٨) والنسائي في «السنن الكبرى» (٧٦٩٨) والطبراني في «المعجم الكبير» (١/ ٢٨٢) والحاكم في «المستدرك» (٣/ ٦١٤) والضياء في «الأحاديث المختارة» (٤/ ٢٥٠ - ٢٥٢) وغيرهم. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ١١٨): «رواه أحمد والطبراني بنحوه بأسانيد، ورجال أحدها عند أحمد رجال الصحيح». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣١٧٩).
ومن محبته سبحانه الثناء عليه يصدِّق المثنيَ عليه بأوصاف كماله، كما في «النسائي»٢ و«الترمذي»٣ و«ابن ماجه»٤ من حديث الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ: يَقُولُ ﵎: [صَدَقَ عَبْدِي]٥ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا اللهُ أَكْبَرُ. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا شَرِيكَ لِي. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي». فمن محبته للثناء عليه صدَّق المثني عليه ووافقه في ثنائه عليه.
(١) (٢٧٦٠).
(٢) «السنن الكبرى» (٩٧٧٤)، و«عمل اليوم والليلة» (٣٠).
(٣) (٣٤٣٠) وقال الترمذي: «هذا حديث حسن، وقد رواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، بنحو هذا الحديث بمعناه، ولم يرفعه شعبة».
(٤) (٣٧٩٤). والحديث أخرجه ابن حبان (٨٥١) والحاكم (١/ ٤٦) وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين». وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٤/ ١٩٣): «هذا حديث صحيح».