الصواعق المرسلة

فصل

ومن محبته للثناء عليه شرعه للداعي قبل سؤاله ودعائه؛ ليكون وسيلة له بين يدي حاجته، كالمتقرب إلى المسؤول بما يحبه ويسأله بين يدي مطلوبه، كما في «السنن»١ و«المسند»٢ من حديث فضالة بن عبيد قال: جاء رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني. فقال رسول الله ﷺ: «عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي، إِذَا صَلَّيْتَ فَفَرَغْتَ فَاحْمَدِ اللَّهَ [ق ١٢٥ أ] بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ثُمَّ ادْعُهُ». قال: ثم صَلَّى رجلٌ آخرُ بعد ذلك، فحَمِدَ اللَّه وصلَّى على النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: «أَيُّهَا الْمُصَلِّي ادْعُ تُجَبْ».

وفي «السنن»٣ عن ابن مسعودٍ قال: كنت أصلي فلمَّا جلست بدأت بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﷺ: «سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ».

وهكذا في أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح: لمَّا يأتوا٤ إلى النبي ﷺ ليشفع لهم، فقال: «فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا. فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، فَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ فَأَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ

  1. (١) أبو داود (١٤٨١) والترمذي (٣٤٧٦، ٣٤٧٧) والنسائي (١٢٨٤) وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
  2. (٢) (٢٤٥٦٨). والحديث أخرجه ابن خزيمة (٧٠٩) وابن حبان (١٩٦٠) والحاكم (١/ ٢٣٠) وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه».
  3. (٣) أخرجه الترمذي (٥٩٣) وقال: «حديث حسن صحيح».وقد تقدم (ص ٥٦١) تخريجه.
  4. (٤) كذا! والمقصود: إذا أتوا.
1049

تُشَفَّعْ»١. وفي لفظٍ٢: «فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَمْجِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ». فمن محبته سبحانه للثناء عليه ألهمَ رسوله منه في ذلك المقام ما يكون وسيلةً بين يدي شفاعته.

وفي «الصحيح»٣ عنه ﷺ أنه كان يقول في سجوده: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».

وفي «الصحيحين»٤ عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ الْجَنَّةَ». وقد تقدم ذلك من حديث ابن مسعودٍ. وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا يُشْرِقُ لَهُ وَجْهُكَ»٥. وفي الأثر الآخر: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى»٦. وفي

  1. (١) البخاري (٧٥١٠) ومسلم (١٩٣) عن أنس بن مالك ﵁.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٧٤٤٠).
  3. (٣) رواه مسلم، وقد تقدم تخريجه.
  4. (٤) البخاري (٧٤١٦) ومسلم (١٤٤٩).
  5. (٥) لم نقف عليه بهذا اللفظ، ثم وجدت في «العلل ومعرفة الرجال» للإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (٣٦٣٨) قال عبد الله: قلت لأبي: ترى المسيب بن شريك كان يكذب؟ قال: معاذ الله، ولكنه كان يخطئ. قال أبي: سمعته يدعو دعاءً حسنًا، وكان في دعائه بعض ما ينكره الجهمية؛ سمعته يقول: نور أشرق له وجهك».
  6. (٦) أخرجه الطبراني في «الدعاء» (١٧٢٥) عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ في دعائه لأهل قباء، ونسبه السيوطي - كما في «كنز العمال» (٥١٠٠) - للديلمي أيضًا، وقال: «وفيه نافع أبو هرمز متروك». وأخرجه ابن أبي الدنيا في «الشكر» (١١) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٢٦٦) عن الحسن البصري قوله.
1050

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي