الصواعق المرسلة

وأمر بذكره في أعظم المواطن التي يذهل الإنسان فيها عن نفسه - وهي حاله عند ملاقاة عدوه - فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاَثْبُتُوا وَاَذْكُرُوا اُللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٦]. وفي «الترمذي»١

وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي الَّذِي يَذْكُرُنِي وَهُوَ مُلَاقٍ قِرْنَهُ٢».

وجعل سبحانه ذِكْره سببًا لصلاته على عبده وذكره له؛ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اُللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ وَكَانَ

  1. (١) (٣٥٨٠) عن عُمارة بن زَعْكَرة ﵁. وقال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي، ولا نعرف لعمارة بن زعكرة عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث الواحد». والحديث أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبير» (٩/ ٤٣٦) وابن أبي عاصم في «الجهاد» (١٣٠) والدولابي في «الكنى» (١٢٤١) وابن عدي في «الكامل» (٨/ ٥٤٨) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٥٣) وفيه عفير بن معدان، وقال ابن عدي: «ولعفير بن معدان غير ما ذكرت من الحديث، وعامة رواياته غير محفوظة». وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/ ٤٩٤ (: «لم يصح إسناده». وله شاهدان مرسلان، الأول: أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٩٥٧) عن شريح بن عبيد وعبد الرحمن بن جبير بن نفير عن رسول الله ﷺ. والثاني: أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٨٧٨) عن محمد بن زياد الألهاني عن أشياخه عن رسول الله ﷺ. وقال ابن حجر: «وهو حسن غريب، وقول الترمذي: ليس إسناده بقوي. يريد ضعف عفير، لكن وجدت له شاهدًا قويًّا مع إرساله أخرجه البغوي فلذلك حسنته، وقول الترمذي: غريب. أراد غرابته من جهة تفرد عفير بوصله، وإلا فقد وُجد من وجه آخر». نقله عنه المناوي في «فيض القدير» (٢/ ٣١٠) وابن علان في «الفتوحات الربانية» (٥/ ٦٢ - ٦٣) ..
  2. (٢) قرنه بكسر القاف وسكون الراء: أي عدوه المقارن له المكافئ له في القتال. «فيض القدير» (٢/ ٣١٠).
1055

بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣] وقال تعالى: ﴿فَاَذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١].

وجعل تِرْكان١ ذكره والثناء عليه سببًا لنسيانه لعبده وإنسائه نفسه، فلا يلهمه مصالحه ولا يوفقه لإرادتها وطلبها؛ فقال تعالى: ﴿نَسُوا اُللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ نَسُوا اُللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] فلمَّا نسوا ذكره والثناء عليه وتحميده وتمجيده نسيهم من رحمته وأنساهم مصالح نفوسهم، فلم يعرفوها ولم يطلبوها، بل تركوها مهملة معطلة مع نقصها وعيوبها.

فصل

ومن محبته للثناء عليه وتحميده وتمجيده أنه وعد عليه بما لم يعد به على غيره كما في «الصحيح» من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ [ق ١٢٥ ب] مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»٢. وأخبر النبي ﷺ أن مجالس الذِّكر رياض الجنة، كما في «السنن»٣ و«المسند»٤ من حديث جابرٍ قال: خرج علينا

  1. (١) «ح»: «برهان». والمثبت أقرب للرسم، يقال: تركه يتركه تركًا وتِركانًا بالكسر: أي خلاه. «تاج العروس» (٢٧/ ٩١).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٤٠٥) ومسلم (٢٦٩٢).
  3. (٣) لم نقف عليه في «السنن» من حديث جابر، ووجدناه في الترمذي (٣٥٠٩) من حديث أبي هريرة ﵁ مختصرًا، وقال الترمذي: «هذا حديث غريب». وعنده (٣٥١٠) من حديث أنس بن مالك ﵁ وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وينظر «السلسلة الصحيحة» (٢٥٦٢).
  4. (٤) لم نقف عليه في «المسند» من حديث جابر، ووجدناه عند عبد بن حميد في «المنتخب» (١١٠٥) ومسدد وأحمد بن منيع - كما في «إتحاف الخيرة» (٦٠٥٧) - وأبي يعلى (١٨٦٥، ١٨٦٦، ٢١٣٨) والطبراني في «المعجم الأوسط» (٢٥٠١) والحاكم (١/ ٤٩٤). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد». وتعقبه الذهبي في «تلخيص المستدرك» وابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٣) قال ابن حجر: «مداره على عمر بن عبد الله مولى غفرة - بضم المعجمة وسكون الفاء - وهو ضعيف». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٦٧٦٨): «رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في «الأوسط»، وفيه عمر بن عبد الله مولى غفرة، وقد وثقه غير واحد وضعفه جماعة، وبقية رجالهم رجال الصحيح».
1056

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي