وفي صحيحي الحاكم٣ وابن حِبَّان٤ عن أنسٍ قال: «كنا مع النبي ﷺ في حلقة ورجل قائمٌ يُصلي، فلمَّا ركع وسجد تشهَّد ودعا فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلَّا أنت المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال النبي ﷺ: «لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعَظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
وفيهما٥ أيضًا عن بُريدة أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلَّا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. فقال النبي ﷺ: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعَظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ».
فأخبر أن هذا هو الاسم الأعظم، لما تضمنه من الحمد والثناء والمجد والتوحيد، ولمحبة الربِّ تعالى لذلك أجاب من دعا به.
(١) في «المستدرك»: «عبدي أنا عند ظنك بي».
(٢) تكرر في «ح»: «وأنا معك».
(٣) «المستدرك» (١/ ٥٠٣) وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه».
والمقصود أنه إذا كان لا معنى للمدح إلَّا الإخبار المتضمن فرح الممدوح، وليس أحدٌ أحب إليه المدح من الله وحمده والثناء عليه وذلك عنده بالمنزلة التي لا يمكن وصفها ولا يحيط بها البشر، كان المنكر لفرحه وما يستلزمه فرحه منكرًا لحقيقة حمده ومدحه والثناء عليه وتمجيده. وحينئذٍ فنقول في:
الوجه الحادي والعشرين: إن هؤلاء الجهمية يُقرُّون بظاهر من القول وينكرون حقيقته، ويصدون عن سبيل الله، ويقطعون ما أمر الله به أن يُوصل، وينفرون من أحب الأشياء إلى الله وأكرمها عليه وأعظمها عنده، وهو ذكره بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله، والثناء عليه ومدحه بها وحمده عليها. بل يُكفِّرون من يُثني عليه بها، وينسبونه إلى التشبيه والتجسيم، ويستحلون منه ما لا يستحله المحاربون من أعدائهم. وذلك [ق ١٢٦ أ] عين العداوة لله ولرسوله، كما قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، أنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: «ما عادى عبدٌ ربَّه أشد عليه من أن يكره ذكره وذكر من يذكره»١.
ومن المعلوم أن ذكره ﷾ إنما يتم بإثبات حقائق أسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله، لا بألفاظٍ مجردة لا حقيقة لها.
(١) لم نقف عليه في مظانه من كتب الإمام أحمد أو تلامذته، وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٧٢) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧١٥) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٢/ ٤٤٢) من طريق الأوزاعي به.