الصواعق المرسلة

«أعراضًا»، ونفوا أفعاله بتسميتها «حوادث»، ونفوا علوه على خلقه واستواءه على عرشه والمعراج برسوله إليه بتسمية ذلك «تجسيمًا وتركيبًا».

وأمَّا الأصل الثالث: وهو تعريف الأمم حالهم بعد الوصول إليه، فإنهم أنكروا أجلَّ ما فيه وأشرفه وأفضله، وهو رُؤية١ وجهه وسماع كلامه، وإنما أثبتوا أمورًا منفصلةً يُتنعم بها من الأكل والشرب والنكاح ونحوها. وممَّا يوضح ذلك:

الوجه الثالث والعشرون: وهو ما ثبت في «صحيح مسلم»٢ من حديث أبي ذَرٍّ٣ قال: قيل: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ». فأخبر ﷺ أن حمد الناس للمؤمن بشارة معجلة في الدنيا كالرؤية الصالحة، كما في الصحيح٤ عن عبادة بن الصامت أنه سأل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ اُلْبُشْرى فِي

  1. (١) «ح»: «رواية». وهو تحريف.
  2. (٢) (٢٦٤٢).
  3. (٣) «ح»: «ذكر». وهو تحريف.
  4. (٤) لعله يعني في الحديث الصحيح، فإن الحديث ليس في أي من الصحيحين، بل أخرجه الإمام أحمد (٢٣١٢٧، ٢٣١٢٨، ٢٣١٨٢) والترمذي (٢٢٧٥) وابن ماجه (٣٨٩٨) والطبري في «تفسيره» (١٢/ ٢١٥ - ٢١٧) والحاكم (٢/ ٣٤٠، ٤/ ٣٩١) والضياء (٨/ ٢٥٩ - ٢٦٠، ٢٧٦ - ٢٧٧) من طرق. وقال الحاكم في الموضع الأول: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال في الموضع الثاني: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». وله شواهد عن أبي الدرداء وابن مسعود وجابر بن عبد الله بن رئاب وأبي هريرة ﵃، ينظر «تخريج أحاديث الكشاف» (٢/ ١٣٢ - ١٣٥).
1066

اِلْحَيَاةِ اِلدُّنْيا وَفِي اِلْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] قال: «هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ». فجعل حمد الناس له في اليقظة والرُّؤيا الصالحة في المنام بشارةً له في الدنيا. والبشارة نوع من الخبر، وهو [ق ١٢٦ ب] الخبر بما يَسُرُّ، فالحمد هو الخبر بما يَسُرُّ المحمود ويُفرحه، فإنكار فرحه ولوازم فرحه إنكار للحمد في الحقيقة.

وفي «الصحيحين»١ عن أبي موسى عن النبي ﷺ لمَّا بعثه ومعاذًا إلى اليمن قال لهما: «بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا». وعند مسلم٢: كان إذا بعث أحدًا من الصحابة قال: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا». وذلك أن الكلام نوعان إنشاءٌ وإخبارٌ، فأمرهم في الإخبار أن يبشروا ولا يُنفروا، وفي الإنشاء أن ييسروا ولا يُعسروا. فمن جعل المحمود والممدوح يُحمد ويُمدح بما لا يُحبُّه ولا يفرح به فقد عطل حقيقة حمده ومدحه التي تعطيلها تعطيل لحقيقة الدِّين. وممَّا يوضح ذلك:

الوجه الرابع والعشرون: وهو أن الحُسن والقُبح سواء عُرف بالشرع أو بالعقل إنما يعود إلى الملائم والمنافي، والملائم يعود إلى الفرح ولوازمه، والمنافي يعود إلى الغضب ولوازمه.

والمثبتون للحُسن والقُبح العقليين رأوا ما يعلمه العبد بضرورته وفطرته من حُسن بعض الأعمال وقُبح بعضها، وأن ذلك من لوازم الفطرة فأثبتوه، ولكن أخطؤوا في موضعين:

  1. (١) البخاري (٣٠٣٨) ومسلم (١٧٣٣).
  2. (٢) (١٧٣٢).
1067

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي