والمقصود أنه كلما [زادت]١ صفات الكمال في الحيِّ كان فرحه ومحبته ورضاه وغضبه ومقته أكمل. ولهذا كان النبي ﷺ إذا غضب لم يقم لغضبه [ق ١٢٧ ب] شيءٌ٢. وفي الأثر: «إن موسى كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته»٣. وكان أشدَّ بني إسرائيل حياءً حتى إنه لا يغتسل إلَّا وحده من شدة حيائه٤.
(١) سقط من «ح». والسياق يقتضيه.
(٢) هو قطعة من حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي ﷺ. أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٢١٥) والطبراني في «المعجم الكبير» (٢٢/ ١٥٥) والآجري في «الشريعة» (١٠٢٢) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٣٦٢) والبغوي في «شرح السنة» (١٣/ ٢٦٩) من طريق جميع بن عمر عن رجل بمكة عن ابن لأبي هالة التميمي عن الحسن بن علي به، وذكر الحديث بطوله، وفي إسناده جهالة، قال البخاري في «الضعفاء» (ص ١١٨): «يتكلمون في إسناده». ولبعض ألفاظه شواهد صحيحة، ويكثر وروده في كتب السير والشمائل حتى قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤/ ١٥٤٥ (: «وكان هند بن أبي هالة فصيحًا بليغًا وصَّافًا، وصف رسول الله ﷺ فأحسن وأتقن».
(٣) أخرجه الخرائطي في «مساوئ الأخلاق» (٣٣٩) ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦١/ ١٦١) عن زيد بن أسلم. ونقل ابن القاسم عن مالك أنه قال: «كان موسى إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته، ورفع شعر بدنه جبته». كما في «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٣٢٥).
(٤) أخرج البخاري (٢٧٨) ومسلم (٣٣٩) عن أبي هريرة ﵁ حديث اغتسال موسى ﵇ وحده، وفي لفظ للبخاري (٣٤٠٤): «إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا، لا يُرى من جلده شيءٌ استحياء منه».
وإذا كانت هذه صفات كمالٍ فلا يجوز سلبها عمَّن هو أحق بالكمال المطلق من كل أحدٍ بمجرد تسميتها كيفيات نفسية وأعراضًا وانفعالات ونحو ذلك، فإن هذا من اللبس والتلبيس وتسمية المعاني الصحيحة الثابتة بالأسماء القبيحة المنفِّرة، وتلك طريقة للنُّفاة مألوفة وسجية معروفة. وإذا عُرف هذا تبيَّن أن هؤلاء المعطلة النُّفاة أضاعوا حقَّ الله الذي يستحقه لنفسه، والذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، والذي هو أصل دينه ومنتهى عبادته؛ بما هم متناقضون فيه.
وقد سبق لك أنهم معترفون بما فطر الله عليه خلقه أن المدح يتضمن فرح الممدوح ولوازمه، ولهذا لزمهم القولُ بخلاف ما يُعلم بالضرورة من دين الرسل من أولهم إلى آخرهم: أن الله لا يفرح بمدحه وحمده وتمجيده والثناء عليه ولا يرضى نفسه بذلك ولا يكون محبوبًا له على الحقيقة. وهذا هم معترفون به، لا يتحاشون منه، ولا يستنكفون من إطلاقه. وإنما العجب تصريحهم بأنه لا يمدح بمدح١، والمدح هو أصل الثناء والحمد، وقد صرَّحوا باستحالة ذلك في حقِّه، كما قالوا: المدح هو الإخبار [عن]٢ كونه مستحقًّا لأن [يفعل]٣ به ما يفرح به ويلتذ به، والذم هو الإخبار عن كونه مستحقًّا لأن يفعل به ما يحزن به ويتألم به. قالوا: وإذا فسرنا المدح والذم بذلك استحال٤ تصورهما في حق الله تعالى لاستحالة الفرح والغم عليه.
(١) «ح»: «ممدح». ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) «ح»: «هو». والمثبت من «نهاية العقول»، وقد تقدم على الصواب.
(٣) «ح»: «ينقل». والمثبت من «نهاية العقول»، وقد تقدم على الصواب.
(٤) «ح»: «استحالة». والمثبت من «نهاية العقول»، وقد تقدم على الصواب.