الطلب، ومن يكون كثير الطعن على الناس - وهو الشهادة عليهم بالسوء - وكثير اللعن لهم - وهو طلب السوء لهم - لا يكون شهيدًا عليهم ولا شفيعًا لهم؛ لأن الشهادة مبناها على الصدق، وذلك لا يكون فيمن يكثر الطعن فيهم، ولا سيما فيمن هو أولى بالله ورسوله منه. والشفاعة مبناها على الرحمة وطلب الخير، وذلك لا يكون ممَّن يكثر اللعن لهم ويترك الصلاة عليهم. ومن أعظم أسباب سعادة العبد أن يكون موافقًا لربه سبحانه في صلاته على من صلَّى عليه ولعنته لمن لعنه، كما في «مسند الإمام أحمد»١ و«صحيح الحاكم»٢ من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ علمه وأمره أن يتعاهد أهله في كل صباحٍ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَمِنْكَ وَإِلَيْكَ. اللَّهُمَّ فَمَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلِفٍ، أَوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ، فَمَشِيئَتُكَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ كُلِّهِ، مَا شِئْتَ كَانَ، وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
(٢) «المستدرك» (١/ ٥١٦ - ٥١٧) وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». فتعقبه الذهبي بقوله: «أبو بكر - يعني: ابن أبي مريم - ضعيف، فأين الصحة؟». وأخرج الحديث ابن خزيمة في «التوحيد» (١٧) وابن المنذر في «الأوسط» (١٢/ ١٦٢) والطبراني في «الكبير» (٥/ ١١٩) والبيهقي في «الدعوات الكبير» (٤٢، ٤٣) من طريق أبي بكر بن أبي مريم. وقال ابن المنذر: «لا يصح». وينظر «السلسلة الضعيفة» (٦٧٣٣).
فهذه ثلاثون وجهًا مضافة إلى المائتين، فصارت مائتين وثلاثين وجهًا تبطل معارضتهم للنصوص بالتوهمات والظنون الكاذبة التي يُسمونها عقليات.
الوجه الحادي والثلاثون بعد المائتين: أن نقول: إذا عارضتم بين المعقول والمنقول فإمَّا أن تكذِّبوا المنقول وإمَّا أن تصدِّقوه. فإن كذَّبتموه أُلحقتم بأعداء الرُّسل المكذِّبين لهم، وانسلختم من العقل والدِّين كانسلاخ الشعرة من العجين. وإن صدَّقتم المنقول فإمَّا أن تعتقدوا أن له معنًى، أو تقولوا: لا معنى له. ولا يمكنكم أن تقولوا بالثاني؛ إذ تستحيل المعارضة على هذا التقدير، وتبطل المسألة التي أصَّلتموها من أصلها.
وإن قلتم: بل للمنقول معانٍ [ق ١٢٨ ب] قصدها المتكلم وأراد من العباد اعتقادها والإقرار بها، فإما أن يدل اللفظ عليها أو لا يدل. فإن لم يدل اللفظ