الصواعق المرسلة

وهي موضوعة للقدر المشترك، والخصائص لا تدخل في مسمَّى اللفظ، قالوا: ولهذا يصح تقسيم معانيها إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث. ومورد التقسيم مشتركٌ بين الأقسام.

وقالت طائفةٌ: بل يقال على الربِّ والعبد بطريق التشكيك١؛ لأنها [ق ١٢٩ ب] في الربِّ أولى وأولى وأتم وأكمل، ولا ريب أن المتواطئ٢ يعم ما تساوت أفراده فيه وما تفاوتت، فالمشكِّك نوع من المتواطئ.

وإذا عُرف هذا فمن نفى حقائقها عن الربِّ سبحانه جعلها مجازًا في حقِّه حقيقةً في المخلوق. يوضحه:

الوجه الخامس والثلاثون بعد المائتين: أنه قد عُلم أن المعنى المستعار يكون في المستعار منه أكمل منه في المستعار، وأن المعنى الذي دلَّ عليه اللفظ بطريق الحقيقة أكمل من المعنى الذي دلَّ عليه بطريق المجاز، وإنما يستعار لتكميل معنى المجاز، مثل الأسد فإن شجاعته لمَّا كانت أكمل من شجاعة ابن آدم، والبحر لمَّا كان أوسع من ابن آدم، والشمس والقمر لمَّا

  1. (١) التشكيك عند القدماء: كون اللفظ موضوعًا لأمرٍ عامٍّ مشتركٍ بين الأفراد لا على السواء، بل على التفاوت، كالوجود بالنسبة إلى الواجب الوجود والممكن الوجود، وذلك اللفظ يُسمى مشكِّكًا. والتشكيك عند المحدثين: دلالة اللفظ أو العبارة على معانٍ متعددة، وكل معنى يمكن تفسيره أو تأويله بصور مختلفة، فهو معنى مشكك. فالمشكِّك إذن هو المبهم الذي لا يستطيع الذهن أن يتصور معناه تصورًا ثابتًا، ولا أن يرتبه في نوع محدود، أو جنس معين. «المعجم الفلسفي» (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩).
  2. (٢) «ح»: «التواطؤ».
1088

كانا١ أبهى وأحسن، استُعيرت أسماؤها لما دونها.

فإذا قيل: إن هذه الأسماء مجازٌ في حقِّ الربِّ حقيقةٌ في حقِّ العبد، كانت في العبد أكمل وأتم منها في الربِّ، وكانت تسمية الربِّ سبحانه بها تقريبًا٢ وتمثيلًا لما هو حقيقة في العبد! وهل في الباطل والضلال والكفر والمحال فوق هذا؟!

والظاهر - والله أعلم - أن أكثر هؤلاء النُّفاة المعطلة جهالٌ لا يتصورون حقيقة أقوالهم ولوازمها، وإلَّا فمن آمن بالله وكان له في قلبه جلالةٌ وعظمةٌ ووقارٌ لا يرضى بذلك ولا يعتقده، وإن كان كثيرٌ من الناس لا يتحاشى من ذلك ولا يأنف منه لقلة وقار الله في قلبه وبُعده عن معرفته وإساءة ظنه بأهل الإثبات وإحسان ظنه بطائفته وأهل نِحْلته. وضلالُ بني آدم لا يحيط به إلَّا من هو بكل شيءٍ محيطٌ!

الوجه السادس والثلاثون بعد المائتين: أن أعقل الخلق على الإطلاق الرُّسل، وأتباعهم بعدهم أعقل الأمم، وأهل الكتب والشرائع الكبار أعقلهم، وأعقل هؤلاء المسلمون، وأعقل المسلمين أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان، وأهل السُّنَّة والحديث أعقل الأُمة بعدهم على الإطلاق. والبرهان القاطع على هذا أنه قد ظهر على أيدي الرُّسل من العلم النافع والعمل الصالح ومصالح الدنيا والآخرة ما لم يظهر مثله ولا قريب منه ولا ما له٣ البتة نسبة بوجهٍ من الوجوه على أيدي غيرهم من العقلاء.

  1. (١) «ح»: «كان».
  2. (٢) «ح»: «أنه بها تقريقا». ولعل المثبت هو الصواب.
  3. (٣) «ح»: «مثاله». ولعل المثبت هو الصواب.
1089

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي