فإذا قيل: إن هذه الأسماء مجازٌ في حقِّ الربِّ حقيقةٌ في حقِّ العبد، كانت في العبد أكمل وأتم منها في الربِّ، وكانت تسمية الربِّ سبحانه بها تقريبًا٢ وتمثيلًا لما هو حقيقة في العبد! وهل في الباطل والضلال والكفر والمحال فوق هذا؟!
والظاهر - والله أعلم - أن أكثر هؤلاء النُّفاة المعطلة جهالٌ لا يتصورون حقيقة أقوالهم ولوازمها، وإلَّا فمن آمن بالله وكان له في قلبه جلالةٌ وعظمةٌ ووقارٌ لا يرضى بذلك ولا يعتقده، وإن كان كثيرٌ من الناس لا يتحاشى من ذلك ولا يأنف منه لقلة وقار الله في قلبه وبُعده عن معرفته وإساءة ظنه بأهل الإثبات وإحسان ظنه بطائفته وأهل نِحْلته. وضلالُ بني آدم لا يحيط به إلَّا من هو بكل شيءٍ محيطٌ!
الوجه السادس والثلاثون بعد المائتين: أن أعقل الخلق على الإطلاق الرُّسل، وأتباعهم بعدهم أعقل الأمم، وأهل الكتب والشرائع الكبار أعقلهم، وأعقل هؤلاء المسلمون، وأعقل المسلمين أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان، وأهل السُّنَّة والحديث أعقل الأُمة بعدهم على الإطلاق. والبرهان القاطع على هذا أنه قد ظهر على أيدي الرُّسل من العلم النافع والعمل الصالح ومصالح الدنيا والآخرة ما لم يظهر مثله ولا قريب منه ولا ما له٣ البتة نسبة بوجهٍ من الوجوه على أيدي غيرهم من العقلاء.
(١) «ح»: «كان».
(٢) «ح»: «أنه بها تقريقا». ولعل المثبت هو الصواب.
(٣) «ح»: «مثاله». ولعل المثبت هو الصواب.
ومن تدبَّر سيرتهم في أنفسهم وفي خاصتهم وفي العامة وصبرهم وزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الله وما عنده، واشتمالهم من الأخلاق على أزكاها، ومن الشِّيم على أرضاها، وأنهم أصدق الخلق وأبرهم قلوبًا، وأزكاهم نفوسًا، وأعظمهم أمانةً، وأكرمهم عشرةً، وأعفهم ضمائر، وأطهرهم سريرةً = لم يشك أنهم أعقل خلق الله على الإطلاق. ولا ريب أن كل من كان إليهم أقرب كان حظُّه من العقل أوفر، والعلوم والأعمال والسِّيرة والدلائل على ذلك١.
وأمَّا أعداؤهم وخصومهم فقد ظهر من نقصان عقولهم ما كان الحيوان البهيم أحسن به حالًا منهم؛ فإنه لا يقدم على هلاكه، وخصماء الرُّسل وخصماء أتباعهم متهافتون في أسباب هلاكهم٢ تهافت الفراش في النار، وظهر نقصان هذه العقول في علومهم ومعارفهم، مثل ظهوره في أعمالهم أو أعظم، فإن كل من له نورٌ وبصيرةٌ إذا عرض على العقل الصحيح والفطرة السليمة ما جاءت به الرُّسل وما قالته النُّفاة المعطلة في الله ﷻ؛ تبين له الذي بينهما من الفَرْق أعظم ممَّا بين القَدَم [والفَرْق]٣.
ومن أعظم المحال أن يكون أعقل الخلق وأعقل الأُمم مطبقين على الانقياد لكتابٍ قد خالفه صريح العقل، ويكون ذلك الكتاب متضمنًا لخلاف٤ الصواب في أعظم مطالب الدعوة الإلهية، وظاهره ضلالٌ