الصواعق المرسلة

ومن تدبَّر سيرتهم في أنفسهم وفي خاصتهم وفي العامة وصبرهم وزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الله وما عنده، واشتمالهم من الأخلاق على أزكاها، ومن الشِّيم على أرضاها، وأنهم أصدق الخلق وأبرهم قلوبًا، وأزكاهم نفوسًا، وأعظمهم أمانةً، وأكرمهم عشرةً، وأعفهم ضمائر، وأطهرهم سريرةً = لم يشك أنهم أعقل خلق الله على الإطلاق. ولا ريب أن كل من كان إليهم أقرب كان حظُّه من العقل أوفر، والعلوم والأعمال والسِّيرة والدلائل على ذلك١.

وأمَّا أعداؤهم وخصومهم فقد ظهر من نقصان عقولهم ما كان الحيوان البهيم أحسن به حالًا منهم؛ فإنه لا يقدم على هلاكه، وخصماء الرُّسل وخصماء أتباعهم متهافتون في أسباب هلاكهم٢ تهافت الفراش في النار، وظهر نقصان هذه العقول في علومهم ومعارفهم، مثل ظهوره في أعمالهم أو أعظم، فإن كل من له نورٌ وبصيرةٌ إذا عرض على العقل الصحيح والفطرة السليمة ما جاءت به الرُّسل وما قالته النُّفاة المعطلة في الله ﷻ؛ تبين له الذي بينهما من الفَرْق أعظم ممَّا بين القَدَم [والفَرْق]٣.

ومن أعظم المحال أن يكون أعقل الخلق وأعقل الأُمم مطبقين على الانقياد لكتابٍ قد خالفه صريح العقل، ويكون ذلك الكتاب متضمنًا لخلاف٤ الصواب في أعظم مطالب الدعوة الإلهية، وظاهره ضلالٌ

  1. (١) كذا في «ح»، ولعل في الكلام سقطًا.
  2. (٢) «ح»: «هلا لزم». ولعل المثبت هو الصواب.
  3. (٣) يعني: فَرْق الرأس، وفي «ح»: «الفرق»، تحريف.
  4. (٤) «ح»: «الخلاف».
1090

ومحالٌ؛ ويطبق عليه أعقل بني آدم ويتلقونه بالقبول، وتشهد عقولهم وفِطَرهم أنه الحق والصواب، وأن ما خالفه فهو الباطل والإفك والمحال، وتصح به قلوبهم، وتطمئن به، وتسكن إليه، وتزكو به النفوس أعظم زكاء! وهذا من المحال أن يحصل بما يخالف صريح العقل، ويكون الصواب في خلاف١ ما دلَّ عليه؛ فإن القلوب الصحيحة والفِطَر السليمة والعقول المستقيمة لا تطمئن بباطلٍ أبدًا، بل يكون أهله كما قال الله سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ٨ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨ - ٩] وقال: ﴿اِنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨].

ووصف سبحانه المصدِّقين به الذين لا يُقدِّمون عليه غيره بطمأنينتهم به، وجعل ذلك من أعظم آيات صدقه في أنه لو كان باطلًا مخالفًا [ق ١٣٠ أ] للعقول لم تطمئن به القلوب، بل كانت ترتاب به أعظم ريب، فإن الكذب في الأمور الجزئية ريبةٌ، فكيف بالكذب في باب أسماء الربِّ وصفاته وشأنه؟ والصدق في الأمور الجزئية طمأنينة، فكيف بالصدق في هذا الباب؟

قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ اَلْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١].

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا اَلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرى مِن دُونِ اِللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ اَلْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿الم تَنزِيلُ اُلْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١]. فجعل سبحانه من أعظم أدلة صدقه نفي الريب عنه في مثل هذه المطالب التي هي أصل مطالب بني آدم، وأجلُّ معارفهم وعلومهم على

  1. (١) «ح»: «خلافه».
1091

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي