الصواعق المرسلة

ومحالٌ؛ ويطبق عليه أعقل بني آدم ويتلقونه بالقبول، وتشهد عقولهم وفِطَرهم أنه الحق والصواب، وأن ما خالفه فهو الباطل والإفك والمحال، وتصح به قلوبهم، وتطمئن به، وتسكن إليه، وتزكو به النفوس أعظم زكاء! وهذا من المحال أن يحصل بما يخالف صريح العقل، ويكون الصواب في خلاف١ ما دلَّ عليه؛ فإن القلوب الصحيحة والفِطَر السليمة والعقول المستقيمة لا تطمئن بباطلٍ أبدًا، بل يكون أهله كما قال الله سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ٨ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨ - ٩] وقال: ﴿اِنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨].

ووصف سبحانه المصدِّقين به الذين لا يُقدِّمون عليه غيره بطمأنينتهم به، وجعل ذلك من أعظم آيات صدقه في أنه لو كان باطلًا مخالفًا [ق ١٣٠ أ] للعقول لم تطمئن به القلوب، بل كانت ترتاب به أعظم ريب، فإن الكذب في الأمور الجزئية ريبةٌ، فكيف بالكذب في باب أسماء الربِّ وصفاته وشأنه؟ والصدق في الأمور الجزئية طمأنينة، فكيف بالصدق في هذا الباب؟

قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ اَلْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١].

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا اَلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرى مِن دُونِ اِللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ اَلْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿الم تَنزِيلُ اُلْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١]. فجعل سبحانه من أعظم أدلة صدقه نفي الريب عنه في مثل هذه المطالب التي هي أصل مطالب بني آدم، وأجلُّ معارفهم وعلومهم على

  1. (١) «ح»: «خلافه».
1091

الإطلاق. فلو كان فيه ما يخالف صريح العقل لكان فيه أعظم الريب، ولما اطمأنت به القلوب ولا ثلجت به الصدور. وقد قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اِللَّهِ تَطْمَئِنُّ اُلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٩] وذِكْرُه هاهنا هو كتابه١، وهو الذكر الحكيم.

فكيف يجوز على أعقل الأُمم وأفضلها أن تطمئن قلوبهم بما يخالف العقل الصريح؟ وهل هذا إلَّا قدحٌ في عقولهم، كما هو قدح في نبيهم، وفي كتابهم، ومن تكلَّم به وجعله هدًى وشفاءً ورحمةً وعصمةً ونورًا وروحًا! والله ورسوله وملائكته وأولو العلم يعلمون أن كلام هؤلاء المعطلة النُّفاة - المعارضين للوحي بعقولهم وآرائه - فيه أعظم الريب وأبعد شيءٍ عن طمأنينة القلوب به وسكونها إليه وأشد شيءٍ مخالفة للمعقول الصريح. وهذه سُنة الله في خلقه أن أنقص الناس عقولًا وأعظمهم سفهًا يرمون أعقل الخلق وأفضلهم بنقصان العقول. ولا تنس قول أعداء الرُّسل في الرُّسل أنهم مجانين لا عقول لهم، فهكذا ورثتهم يرمون ورثة الرُّسل بدائهم إلى يوم القيامة. يوضحه:

الوجه السابع والثلاثون بعد المائتين: أنه لو كان ظاهر الكتاب مخالفًا لصريح المعقول لكان في الصدور أعظم حرجٍ منه وضيق. وهذا خلاف المشهود بالباطن لكل ذي عقلٍ سليمٍ، فإنه كلما كان الرجل أتم عقلًا كان الحرج بالكتاب أبعد منه. قال تعالى لرسوله: ﴿المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: ١] والله تعالى رفع الحرج عن الصدور

  1. (١) «ح»: «كناية». وهو تصحيف، وقد مر (ص ٧٣٨) على الصواب في تفسير المصنف لهذه الآية في الوجه الحادي والمائة.
1092

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي