فردهم نوعان: منع ومعارضة. فوضعوا لهذين النوعين قانونين. فوضعوا لمنع الدلالة قانون التحريف والتأويل الفاسد، ووضعوا للمعارضة قانون تعارض العقل والسمع وتقديم العقل. فيتضمن هذان القانونان ألَّا يُستفاد من القرآن والسُّنَّة في باب الأسماء والصفات علمٌ ولا يقينٌ.
وأمَّا الطلبيات فإمَّا أن يكون في المسألة إجماعٌ أو لا. فإن كان فيها إجماعٌ استُغني به عن النظر في الكتاب والسُّنَّة، وإن لم يكن١ فيها إجماعٌ ففرضه التقليد لبعض الأئمة؛ لأن النصوص فيها الناسخ والمنسوخ، وفيها ما قد تُرك العمل به، وفيها الخاص والعام وغير ذلك، وقد كفانا٢ الأئمة مُؤْنة النظر والاستدلال وكلفة الاجتهاد، فيتعين المصير إلى أقوالهم. وليس لنا أن نستدرك عليهم ولا نخالفهم، فهم قد كفونا مُؤنة الفروع، وشيوخنا المتكلمون قد كفونا مُؤنة الأصول، فلا يفيدنا النظر في الكتاب والسُّنَّة إلَّا التعب والعناء، وغايتنا أن نصل إلى ما وصلوا إليه إن أصبنا، وإن خالفناهم كنا نحن المخطئين وهم المصيبون. فالأولى بنا أن نتلقى الأصول عن المتكلمين، والفروع عن مشايخنا الذين هذَّبوا لنا مذاهب الأئمة وضبطوا قواعدها وأصولها.
فيقال: هذا إخبارٌ منكم بحالكم وما يليق بكم وما أنتم أهله، وأمَّا من
(١) «ح»: «يكون».
(٢) «ح»: «كفينا».
رُفع له عَلَم الكتاب والسُّنَّة فشمَّر إليه وآنس من مشكاتهما نور الهداية فطلبه وحرص عليه، وكان كتاب الله وسُنة رسوله أجلَّ في صدره وأعظم في نفسه وأوقر في قلبه من أن يجعل لهما عيارًا يعيِّرهما به، وميزانًا يزنهما به، وندًّا يحاكم إليه ويخاصم به دونهما، فهذا كتاب الله بين أظهرنا كما أنزل محضًا لم يُشَبْ، وهذه سُنة رسوله هل يسوغ لنا الإعراض عنهما إلى ما ذكرتم؟ وهل يُوجد فيهما دليلٌ واحدٌ على هذه الطريق التي سلكتم؟ وهل تجدون فيهما الحوالة على غيرهما بوجهٍ من الوجوه؟ وهل تجدون فيهما ما يتضمن ذلك أو يدلُّ عليه أو يُشير إليه أو يسوِّغه؟