الأماكن ومعه أفضل الخلق ﴿اِلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة: ٤]. وقد ثبت في «صحيح البخاري»١ وغيره من حديث طارق بن شهاب قال: جاء رجلٌ من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، آية تقرؤونها في كتابكم لو علينا [ق ١٣٢ ب] معشر اليهود نزلت فعُلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيدًا. فقال عمر: أية آية هي؟ قال: ﴿اِلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة: ٤] فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه. أُنزلت على رسول الله ﷺ عشية الجمعة ونحن معه بعرفة.
وفي «مسند علي»٢ للحافظ مُطيَّن: حدثنا يحيى الحِمَّاني، حدثنا قيسٌ، عن إسماعيل بن سلمان، عن أبي عمر البزار، عن ابن الحنفية، عن عليٍّ قال: «نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو واقف عشية عرفة ﴿اِلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
(١) أخرجه البخاري (٤٥) ومسلم (٣٠١٧).
(٢) لا يزال مفقودًا فيما نعلم، والحديث أخرجه الهروي في «ذم الكلام» (٨) من طريق مطيَّن به. وأخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢٥٠١) من طريق يحيى الحماني به. وقال ابن ناصر الدِّين في «جامع الآثار» (٦/ ٨٥ - ٨٦): «خرجه يعقوب بن شيبة في «مسنده» عن الحماني وقال: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ. وقد رُوي هذا الحديث عن النبي ﷺ من وجوهٍ صحاحٍ عن عمر بن الخطاب وغيره، وإنما ذكرنا هذا الحديث على وهاه وضعفه، ليُعرف مخرجه وطريقه، كان يحيى بن معين يتكلم في إسماعيل بن سلمان هذا، قال: يقال له الأزرق، يروي عن أبي عمر البزار، غير معروف، وضعفه جدًّا. قال يعقوب: وقيس بن الربيع سيئ الحفظ، مختلط الحديث، وهو صدوق، قد حمل الناس عنه».
وقال عبدُ بن حُميدٍ١: أخبرنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار قال: قرأ ابن عباس: ﴿اِلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وعنده يهودي فقال: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا. فقال ابن عباس: نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة.
قال٢: وحدثنا أبو نُعيم، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن عامرٍ قال: «نزلت على النبي ﷺ [وهو بعرفة، وكان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة]٣».
[الوجه الثاني والأربعون بعد المائتين٤: أن هذه المعارضة بين العقل والنقل هي أصل كل فسادٍ في العالم، وهي ضدُّ دعوة الرُّسل من كل وجهٍ، فإنهم دعوا إلى تقديم الوحي على الآراء والعقول، وصار خصومهم إلى ضدِّ ذلك، فأتباع الرُّسل قدَّموا الوحي على الرأي والمعقول، وأتباع إبليس أو
(١) «تفسير عبد بن حُميد» لا يزال مفقودًا، وعزاه إليه السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٨)، وقد أخرجه الترمذي (٣٠٤٤) عن عبد بن حميد به. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وأخرجه الطبري في «التفسير» (٨/ ٨٧).
(٢) أخرجه الهروي في «ذم الكلام» (١٢) من طريق عبد بن حميد به. وأخرج ابن سعد في «الطبقات الكبير» (٢/ ١٦٩) وسعيد بن منصور في «التفسير» (٧١٣) والطبري في «التفسير» (٢/ ٥٢٦، ٨/ ٨٨) عن داود بن أبي هند عن عامر الشعبي نحوه.
(٣) سقط من «ح»، وأثبته من «ذم الكلام». وقد وقع في «ح» هنا سقط كبير، وكتب على حاشيتها: «كذا في الأصل». وقد استدركت من «م» جزءًا كبيرًا منه سأنبه عليه عند انتهائه.
(٤) «م»: «الثاني والخمسون». لأنها مختصرة من الكتاب، وأثبت مقتضى ترتيب الكتاب.