الصواعق المرسلة

ولمَّا أنكرت الجبرية الحكمة والتعليل والأسباب وأبطلت هذا الأصل بعقولها وآرائها عجزوا عن جواب أسولته، وسدُّوا على نفوسهم باب استماعها والجواب عنها، وفتحوا باب مكابرة العقول الصريحة وإنكار تحسين العقل١ وتقبيحه وإنكار الأسباب والقوى والطبائع والحِكَم والغايات المحمودة التي لأجلها يفعل الربُّ ما يفعله ويأمر بما يأمر٢ به، وجوَّزوا عليه أن يفعل كل شيءٍ، وأن يأمر بجميع ما نهى عنه، وينهى عن كل ما أمر به؛ ولا فرق عنده البتة بين المأمور والمحظور، والكل سواء في نفس الأمر، ولكن هذا صار حسنًا بأمره، لا أنه في نفسه وذاته حسنٌ، وهذا صار قبيحًا بنهيه، لا أنه في نفسه وذاته قبيحٌ.

ولمَّا أصَّلت القدرية إنكار عموم قدرة الله سبحانه ومشيئته لجميع الكائنات، وأخرجت أفعال عباده خيرها وشرها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وأثبتت لله سبحانه شريعة بعقولهم = حكمت عليه بها، واستحسنت منه ما استحسنته من أنفسها، واستقبحت منه ما استقبحته٣ من نفوسها، وعارضت بين الأدلة السمعية الدالة على خلاف ما أصَّلوه وبين العقل، ثم راموا الردَّ على عدو الله، فعجزوا٤ عن الردِّ التامِّ عليه، وأجادت٥ كل فرقة من هذه الفرق من الرد عليه بحسب ما وافقت فيه السمع والعقل.

  1. (١) «ح»: «الفعل». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «وبأمرهما بأمر». ولعل المثبت هو الصواب.
  3. (٣) «ح»: «استقبحه». والمثبت من «م».
  4. (٤) «ح»: «فورا». والمثبت من «م».
  5. (٥) «ح»: «أجابت». والمثبت هو الصواب.
1121

وإنما يتمكن من الردِّ عليه كل الردِّ من تلقى أصوله عن مشكاة الوحي ونور النبوة، ولم يؤصِّل أصلًا برأيه وعقله وآراء الرجال وعقولهم، ولم يخرج من مشكاة الوحي ولم يظهر من معدنه، بل تلقى أصوله كلها عن قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحيٌ يُوحى.

فأول ذلك أنه علم أن هذه الأسولة ليست من كلام الله الذي أنزله على موسى وعيسى مخبرًا بها عن عدوه، كما أخبر عنه في القرآن بكثيرٍ من أقواله وأفعاله. وإدخالُ بعض أهل الكتاب لها في تفسير التوراة والإنجيل هو كما تجد في المسلمين - وما بالعهد من قِدَم - من يدخل في تفسير [ق ١٣٤ أ] القرآن كثيرًا من الأحاديث والأخبار التي لا أصل لها، والقصص المعلوم كذبها، وإذا كان هذا في هذه الأُمة التي هي أكمل الأُمم علومًا ومعارف وعقولًا، فما الظن بأهل الكتاب؟!

فصل

الوجه الثاني: أن نقول لعدو الله: قد ناقضت في أسولتك ما اعترفت به وسلَّمته غاية المناقضة، وجعلت ما أسلفته من التسليم والاعتراف مبطلًا لجميع أسولتك، متضمنًا للجواب عنها قبل ذكرها. وذلك أنك قلت: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وقلت: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١] وقلت: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٨١ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ اُلْمُخْلِصِينَ﴾ [ص: ٨١ - ٨٢].

فاعترفت بأنه ربك وخالقك ومالكك، وأنك مخلوقٌ له مربوبٌ تحت أوامره ونواهيه، إنما شأنك أن تتصرف في نفسك تصرف العبد المأمور المنهي، المستعد لأوامر سيده ونواهيه، وهذه هي الغاية التي خُلقت لها،

1122

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي