الصواعق المرسلة

وكذلك استنبطوا بناء الأقباء١ من ظهره، فإنهم وجدوه يحمل ما لا يحمله غيره، فتأملوا ظهره فإذا هو كالقبو، فعلموا أن القبو يحمل ما لا يحمله السطح٢.

وكذلك ما استنبطه الحذاق لمن٣ كَلَّ [ق ١٣٦ ب] بصره أن يُديم النظر إلى إجَّانة٤ خضراء مملوءة٥ ماءً استنباطًا من حكمة الخلاق العليم في لون السماء، فإن لونها أشد الألوان موافقةً للبصر وتقويته، فجعل أديمها٦ بهذا اللون لتمسك الأبصار ولا تنكأ فيها٧ بطول مباشرتها لها، ومن هذا استنبط الأطباء لمن أصابه سوءٌ في بصره إدمان النظر إلى الخُضرة٨.

وإذا فكرت في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم، فكم في طلوعها من الحِكَم والمصالح، وكيف كان حال الحيوان لو أُمسكت عنهم، وجُعل الليل عليهم سرمدًا والدنيا مظلمة عليهم، فبأي نور كانوا يتصرفون وينقلبون؟ وكيف كانت تنضج ثمارهم وتكمل أقواتهم وتعتدل صورهم وأبدانهم؛ فالحِكَم في

  1. (١) الأقباء: جمع القبو، وهو الطاق المعقود بعضه إلى بعض في شكل قوس. «المعجم الوسيط» (٢/ ٧١٣).
  2. (٢) ينظر «مفتاح دار السعادة» للمصنف (٢/ ٦٧٤ - ٦٧٥).
  3. (٣) «م»: «لكل من».
  4. (٤) الإجَّانة بالتشديد: إناء يُغسل فيه الثياب. «المصباح المنير» (١/ ٦).
  5. (٥) «ح»: «مملوءة خضر». والمثبت من «م».
  6. (٦) أديم السماء: ما ظهر منها. «لسان العرب» (١٢/ ١١).
  7. (٧) أي: لا تؤذيها.
  8. (٨) ينظر «مفتاح دار السعادة» للمصنف (٢/ ٥٨٩).
1137

طلوعها أعظم من أن تخفى أو تحصى.

ولكن تأمَّل الحكمة في غروبها فلولا غروبها لم يكن للحيوان هدوء ولا قرار، مع شدة حاجتهم إلى الهدوء والراحة لأبدانهم١ وإجمام حواسهم. وأيضًا لو دامت على الأرض لاشتد حَمْوُها٢ بدوام طلوعها عليها فأحرق كل ما عليها من حيوان ونبات. فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم أن جعلها تطلع عليهم في وقتٍ وتغيب في وقتٍ بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليًّا ليقضوا مآربهم، ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدؤوا، وصار ضياء النهار وحرارته وظلام الليل وبرده على تضادهما وما فيهما متظاهرين متعاونين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ومنافع أهله٣.

ثم اقتضت حكمته أن جعل للشمس ارتفاعًا وانحطاطًا لإقامة هذه الفصول٤ الأربعة من السنة، وما فيها من قيام الحيوان والنبات، ففي زمن الشتاء تَغُورالحرارة في الشجر والنبات، فيتولد فيها مواد الثمار٥، ويغلظ الهواء بسبب البرد، فيصير مادة للسحاب، فيرسل العزيز الحكيم الريح المثيرة فتثيره قَزَعًا٦، ثم يُرسل عليه الريح المؤلِّفة، فتؤلِّف بينه حتى يصير طبقًا واحدًا. ثم يُرسل عليه الريح اللاقحة التي فيها مادة الماء، فتلقحه كما

  1. (١) «ح»: «الراحة أبدانهم». وفي «م»: «والراحة». ولعل المثبت هو الصواب.
  2. (٢) «م»: «حرها».
  3. (٣) ينظر «مفتاح دار السعادة» للمصنف (٢/ ٥٩٠ - ٥٩٢).
  4. (٤) «ح»: «الأزمنة». والمثبت من «م».
  5. (٥) «م»: «النار».
  6. (٦) «ح»: «فيثيره فزعًا». والمثبت من «م». والقَزَع: قطع من السحاب رقيقة، الواحدة قزعة. «الصحاح» (٣/ ١٢٦٥).
1138

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي