الصواعق المرسلة

قال السُّني١ المعظِّم لحرمات كلام الله: قدِ ادعيتَ أيها الجهمي أن ظاهر القرآن، الذي هو حُجَّة الله على عباده، والذي هو خير الكلام وأصدقُه وأحسنه وأفصحه، وهو الذي هدى اللهُ به عباده، وجعله شفاءً لما في الصدور وهدًى ورحمةً للمؤمنين، ولم ينزل كتابٌ من السماء أهدى منه ولا أحسنُ ولا أكمل، فانتهكتَ حُرمته وعضهته٢، ونسبتَه إلى أقبح النقص والعيب؛ فادعيتَ أن ظاهره ومدلوله إثبات شخصٍ له وجهٌ وفيه أعينٌ كثيرةٌ، وله جنبٌ واحدٌ وعليه أيدٍ كثيرةٌ، وله ساقٌ واحدٌ. فادعيتَ أن ظاهر ما وصف اللهُ به نفسه في كتابه يدل على هذه الصفة الشنيعة المستقبَحة، فيكون سبحانه قد وصف نفسه بأشنع الصِّفات في ظاهر كلامه. فأيُّ طعنٍ في القرآن أعظمُ مِن طعن مَن يجعل هذا ظاهره ومدلوله؟! وهل هذا إلَّا مِن جنس قول الذين جعلوا القرآن عِضين٣، فعضهوه٤ بالباطل، وقالوا: هو سحر أو شِعر أو كذبٌ مُفترى؟ بل هذا أقبح من قولهم من وجهٍ، فإن أولئك أقروا بعظمة الكلام وشرف قدْره وعلوِّه وجلالته، حتى قال فيه رأسُ الكفر: «والله إن لِكلامه لَحلاوةً، وإن عليه لَطلاوةً، وإن أسفله لمُغدِق، وإن أعلاه لجنًى٥

  1. (١) «السني» ليس في «ح».
  2. (٢) «ح»: «وعظمته». وعضهته: أي رميته بالكذب والبهتان. «الصحاح» (٦/ ٢٢٤١).
  3. (٣) قال الواحدي في «التفسير البسيط» (١٢/ ٦٦٢ - ٦٦٣): «قال ابن عباس في قوله ﴿اَلَّذِينَ جَعَلُوا اُلْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]: «يريد جزَّؤوه أجزاءً، فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: مفترى». وهذا قول قتادة، واختيار الزجاج وأبي العباس وأبي عبيدة».
  4. (٤) في «ب»: «فعظهوه» بالظاء. وفي «ح»: «فعظموه». وهو تحريف.
  5. (٥) «ب»: «لمثمر» وعليه علامة نسخة. ثم كتب على الحاشية: «لجنًى» وصححه. قلت: المشهور في هذا الأثر لفظ «لمثمر». فكأن المثبت رواية بالمعنى ..
74

وإنه لَيعلو وما يُعلى، وما يشبه كلام البشر»١.

ولم يَدَّعِ أعداءُ الرسول الذين جاهروه بالمحاربة والعداوة أن ظاهر كلامه أبطلُ الباطل وأبينُ المحال، وهو٢ وصف الخالق سبحانه بأقبحِ الهيئات والصور. ولو كان ذلك ظاهر القرآن لَكان ذلك من أقرب الطرق لهم إلى الطعن فيه، وقالوا: كيف تدعونا إلى عبادة ربٍّ له وجهٌ عليه عيون كثيرة وجَنْبٌ واحد، وساق واحد، وأيدٍ كثيرة؟ فكيف كانوا يسكتون له على ذلك، وهم يُورِدُون عليه ما هو أقل من هذا بكثيرٍ، كما أوردوا عليه المسيح لما قال٣: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اِللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٧] فتعلقوا٤ بظاهر ما لم يدل على ما أوردوه، وهو دخول المسيح فيما عُبِدَ من دون الله، إمَّا بعموم٥ لفظ «ما»، وإمَّا بعموم المعنى، فأوردوا على هذا الظاهر هذا الإيرادَ.

  1. (١) قاله الوليد بن المغيرة، أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٥٠٦) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٣٣) وفي «دلائل النبوة» (٢/ ١٩٨) والواحدي في «أسباب النزول» (٤٣٦) عن ابن عباس ﵄ عن الوليد.
    ورواه عبد الرزاق في «التفسير» (٢/ ٣٢٨) والطبري في «التفسير» (٢٣/ ٤٢٩) عن عكرمة عن الوليد بن المغيرة مرسلًا لم يذكر ابن عباس.
  2. (٢) «هو» ليس في «ح».
  3. (٣) «ح»: «قالوا».
  4. (٤) «ب»: «فتعقلوا».
  5. (٥) «ب»: «لعموم».
75

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي