الصواعق المرسلة

التلبيس والتدليس! فلو قال واحدٌ من الناس هذا لم يكن ظاهر كلامه ذلك، فكيف يكون ظاهر أفصح الكلام١ وأبينه ذلك؟

الخامس: أن المفرد المضاف يُراد به ما هو أكثر من واحدٍ، كقوله:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] وقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكِتَابِهِ٢﴾ [التحريم: ١٢] وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٦]. فلو كان الجنب والساق صفةً لكان بمنزلة قوله: ﴿بِيَدِهِ اِلْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿بِيَدِكَ اَلْخَيْرُ﴾٣ [آل عمران: ٢٦] و﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ﴾ [طه: ٣٩].

السادس: أن يقال: من أين في ظاهر القرآن إثبات جنبٍ واحدٍ هو صفة الله؟ ومن المعلوم أن هذا لا يُثبِته أحدٌ من بني آدم، وأعظم الناس إثباتًا للصفات هم أهل السُّنَّة والحديث، الذين يثبتون لله الصِّفات الخبرية،

  1. (١) بعده في «ح»: «هذا لم يكن».
  2. (٢) قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم وخارجة عن نافع ﴿وكُتُبِهِ﴾ جماعة، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم - في رواية أبي بكر - وحمزة والكسائي ﴿وَكِتَابِهِ﴾ واحدًا. حُجة مَن قال: ﴿وكتبه﴾ فجمع، أنه موضع جمع، ألا ترى أنها قد صدَّقتْ بجميع كُتب اللَّه، فمعنى الجمع لائق بالموضع حسن. ومَن قال: ﴿كتابه﴾ أراد الكثرة والشياع، وقد يجيء ذلك في الأسماء المضافة، كما جاء في المفردة التي بالألف واللام، قال: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٦]، فكما أن المراد بنعمة اللَّه الكثرة، كذلك في قوله: ﴿وكتابه﴾. قاله أبو علي الفارسي في «الحجة للقراء السبعة» (٦/ ٣٠٤).
  3. (٣) قدمها في «ب» على قوله: ﴿بِيَدِهِ اِلْمُلْكُ﴾.
79

ولا يقولون إن لله جنبًا واحدًا ولا١ ساقًا واحدةً.

قال عثمان بن سعيد الدارمي في «نقضه على المريسي»٢: «وادَّعى المُعارِض زُورًا على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله: ﴿يَاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اِللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] إنهم يعنون بذلك٣ الجنب الذي هو العضو، وليس ذلك على ما يتوهمونه».

قال الدَّارمي: «فيقال لهذا المعارِض: ما أرخصَ الكذبَ عندك وأخفَّه على لسانك! فإن كنتَ صادقًا في دعواك فأشِرْ بها إلى أحدٍ من بني آدم قاله، وإلَّا فلِمَ تُشنِّع بالكذب على قومٍ هم أعلم بهذا التفسير منك، وأبصرُ بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك؟ إنما تفسيرها عندهم تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله، واختاروا عليها الكفرَ والسخرية بأولياء الله فسمَّاهم الساخرين. فهذا تفسير الجَنْب عندهم، فمن أنبأك أنهم قالوا جَنْبٌ من الجنوب؟ فإنه لا يجهل هذا المعنى كثيرٌ من عوامِّ المسلمين، فضلًا عن علمائهم. وقد قال أبو بكر الصدِّيق ﵁: «الكذب مجانِبٌ للإيمان»٤. وقال ابن مسعود: «لا يجوز من الكذب جدٌّ ولا هزلٌ»٥.

  1. (١) «لا» ليس في «ب».
  2. (٢) «نقض عثمان بن سعيد على المريسي» (٢/ ٨٠٧).
  3. (٣) «بذلك» ليس في «ح».
  4. (٤) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (١٧) والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١٩٦) والضياء في «المختارة» (١/ ١٤٥). وقال البيهقي: هذا موقوف، وهو الصحيح، وقد روي مرفوعًا. وينظر «المقاصد الحسنة» للسخاوي (٧٩٦).
  5. (٥) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (٣٩٧٣) وسعيد بن منصور في «التفسير» (١٠٤٧) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٢٦١١٤). ورواه الحاكم في «المستدرك» (١/ ١٢٧) مرفوعًا، وقال: «إنما تواترت الرواياتُ بتوقيف أكثر هذه الكلمات».
80

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي