وأمَّا العقلي فمن وجهين: عام وخاص. فالعام: الدليل الدال على كمال عِلم المتكلم وكمال بيانه وكمال نُصحه. والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشُّبَه الخيالية التي يستدل بها النفاةُ بكثيرٍ. فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع فمخالفةُ تلك الشُّبَه الخيالية أولى بالجواز. وإن لم تَجُزْ مخالفةُ تلك الشُّبَه فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى.
وأمَّا الخاص فإنَّ كل صفةٍ وصف الله بها نفسَه ووصفه بها رسولُه فهي صفة كمال قطعًا؛ فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يُبطِل حقائقها.
فالدليل العقلي الذي دلَّ على ثبوت الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر دلَّ نظيرُه على ثبوت الحكمة والرحمة والرضى والغضب والفرح والضحك. والذي دلَّ على أنه فاعِلٌ بمشيئته واختياره دلَّ على قيام أفعاله به، وذلك عين الكمال المقدس. وكلُّ صفة دلَّ عليها القرآن والسُّنَّة فهي صفة كمالٍ، والعقل جازمٌ بإثبات صفات الكمال للربِّ سبحانه، ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسولُه بصفةٍ توهم نقصًا. وهذا الدليل أيضًا أقوى من كل شبهةٍ للنفاة. يوضحه أنَّ أدلةَ مُبايَنةِ الربِّ لخَلْقِه وعلوِّه على جميع مخلوقاته أدلةٌ عقلية١ فطرية تُوجِب العلم الضروري بمدلولها.
وأمَّا السمعية فتقارب ألف دليلٍ، فعلى المتأوِّل أن يُجيب عن ذلك كله، وهيهات له بجوابٍ صحيحٍ عن بعض ذلك! فنحن نطالبه بجوابٍ صحيحٍ عن دليلٍ واحدٍ، وهو أنَّ الرَّبَّ تعالى إمَّا أن يكون له وجودٌ خارجي عن
(١) من قوله «الرب» إلى هنا سقط من «ح»، وأثبته من «م».
الذهن ثابت في الأعيان أو لا، فإن لم يكن له وجودٌ خارجي كان خيالًا قائمًا بالذهن لا حقيقةَ له. وهذا حقيقة قول المُعطِّلة وإن تستَّروا بزخرفٍ من القول. وإن كان وجوده خارج الذهن فهو مُبايِن له، إذ هو منفصل عنه، إذ لو كان قائمًا به لَكان عَرَضًا من أعراضه، وحينئذٍ فإما أن يكون هو هذا العالَمَ أو غيره، فإن كان هذا العالَم فهو تصريح بقول أصحاب وحدة الوجود، وأنه ليس لهذا العالَمِ ربٌّ مُبايِنٌ له منفصلٌ عنه. وهذا أَكفرُ أقوال أهل الأرض. وإن كان غيره فإمَّا أن يكون قائمًا بنفسه أو قائمًا بالعالَم، فإن كان قائمًا بالعالَم فهو جزءٌ من أجزائه، أو صفة من صفاته، وليس هذا بقيُّوم السماوات والأرض. وإن كان قائمًا بنفسه - وقد عُلم أن العالَم قائم بنفسه - فذاتان قائمتان بأنفسهما ليست إحداهما داخلةً في الأخرى، ولا خارجةً عنها، ولا متصلةً بها، ولا منفصلةً عنها، ولا مُحايِثة ولا مُبايِنة، ولا فوقها ولا تحتها، ولا خلفها ولا أمامها، ولا عن يمينها ولا عن شمالها = كلامٌ له خبءٌ لا يخفى على عاقلٍ منصفٍ، البديهة١ الضرورية حاكمة بامتناع هذا واستحالة تصوُّره، فضلًا عن التصديق به.
قالوا: فنحن نطالبكم بجوابٍ صحيحٍ عن هذا الدليل الواحد من جملة ألف دليل، ونعلم قبل المطالبة أنه لو اجتمع كلُّ جهميٍّ على وجه الأرض لَما أجابوا عنه بغير المكابرة والتشنيع على أهل الإثبات بالتجسيم والسبِّ٢، وهذه وظيفة كل مبطِل قامت عليه حُجةُ الله. فدعوا٣ الشناعة