الصواعق المرسلة

تارةً، وبالحمار الذي يحمل أسفارًا١.

ومَنْ قَبِلَ التأويلاتِ المُفتراة على الله ورسوله، التي٢ هي تحريفٌ لكلام الله ورسوله عن مواضعه، فهو من جنس الذين قَبِلوا قرآن مسيلِمة المختلَق المفترَى، وقد زعم أنه شريكٌ لرسول الله ﷺ.

رئيسًا٣ وكبيرًا مطاعًا يجعله شريكًا له في التصديق والطاعة والقبول إن لم يقدِّمه عليه، لا سيما الغالية من الجهمية والباطنية والرافضة والاتحادية، فإن عندهم من كلام ساداتهم وكبرائهم ما يضاهون به كلامَ الله ورسوله. وكثيرًا ما يقدِّمونه عليه عِلمًا وعملًا، ويَدَّعون فيه من التحقيق والتدقيق والعلم والعرفان ما لا يثبتون مثلَه للسُنَّة والقرآن.

ومَن تلبَّس منهم بالإسلام يقول: كلامنا يُوصِل إلى الله، والقرآن وكلام الرسول يوصل إلى الجنة. وكلامنا للخواص، والقرآن للعوام.

وكثيرٌ منهم يقول: كلامنا برهانٌ، وطريق القرآن خطابة.

ومنهم من يقول: القرآن والسُّنَّة طريق السلامة، وكلامنا طريق العلم والتحقيق.

وكثيرٌ منهم يقول: لم يكن الصحابة مَعنيِّين بهذا الشأن، بل كانوا قومًا أُمِّيين، فتحوا البلاد وأقاموا الدِّين بالسيف، وسلَّموا إلينا النصوص نتصرف

  1. (١) يعني: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ اُلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ اِلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
  2. (٢) «ح»: «الذي». وهو خطأ واضح.
  3. (٣) سقط قبله شيء من «ح»، نحو: «وكذا كل مَنِ اتخذ مع رسول الله ﷺ».
118

فيها ونستنبط منها، فلهم علينا مَزيَّةُ الجهاد والزهد والورَع، ولنا عليهم١ مزيةُ العلم بالحقائق والتأويل. وإن لم يعلموا هذا من قلوبهم - والله يشهد به عليهم ويعلمه كامنًا في صدورهم - يبدو على فَلتاتِ لسانِ مَن لم يصرِّح به منهم.

ومِن محققي هؤلاء مَن يدعي أن الرُّسل يستفيدون العلمَ بالله من طريقهم، ويتلقَّوْنه من مِشْكَاتهم، ولكن يخاطبون الناس على قدر عقولهم، فلم يصرحوا لهم بالحق ولم ينصحوا لهم به.

وكلٌّ من هؤلاء قد نصب دون الله ورسوله طاغوتًا يُعوِّل عليه، ويدعو عند التحاكُم إليه. فكلامه عنده محكمٌ لا يسوغ تأويله ولا يخالَفُ ظاهره، وكلام الله ورسوله إذا لم يوافقه فهو مجملٌ متشابهٌ يجب تأويله أو يسوغ. فضابط التأويل عندهم ما خالف تلك الطواغيت.

ومَن تدبَّر هذا الموضع انتفع به غاية النفع، وتخلَّص به مِن أشراك الضلال. فإن الذين يقرُّون برسالة النبي ﷺ، وفيهم نوع إيمانٍ به، منهم مَن يجعل له شريكًا في الطاعة، كما كان المنافقون يطيعون عبد الله بن أُبَيٍّ رأس المنافقين وكبيرهم٢، وكان كثيرٌ ممَّن في قلبه نوع مرضٍ - وإن لم يكن منافقًا خالصًا - يطيعه في كثير من الأمور ويَقبَل منه، كما قال تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] والمعنى على أصحِّ القولين: وفيكم مستجيبون لهم قابلون منهم٣. كما قال الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤٣] أي:

  1. (١) «ح»: «لهم».
  2. (٢) «ح»: «وكيدهم».
  3. (٣) وهو قول قتادة وابن إسحاق، رواه عنهما الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٨٦) والثعلبي في «الكشف والبيان» (١٣/ ٣٩٧). والقول الآخر هو قول مجاهد وابن زيد، رواه عنهما الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٨٦) والثعلبي في «الكشف والبيان» (١٣/ ٣٩٦).
119

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي