الصواعق المرسلة

فيها ونستنبط منها، فلهم علينا مَزيَّةُ الجهاد والزهد والورَع، ولنا عليهم١ مزيةُ العلم بالحقائق والتأويل. وإن لم يعلموا هذا من قلوبهم - والله يشهد به عليهم ويعلمه كامنًا في صدورهم - يبدو على فَلتاتِ لسانِ مَن لم يصرِّح به منهم.

ومِن محققي هؤلاء مَن يدعي أن الرُّسل يستفيدون العلمَ بالله من طريقهم، ويتلقَّوْنه من مِشْكَاتهم، ولكن يخاطبون الناس على قدر عقولهم، فلم يصرحوا لهم بالحق ولم ينصحوا لهم به.

وكلٌّ من هؤلاء قد نصب دون الله ورسوله طاغوتًا يُعوِّل عليه، ويدعو عند التحاكُم إليه. فكلامه عنده محكمٌ لا يسوغ تأويله ولا يخالَفُ ظاهره، وكلام الله ورسوله إذا لم يوافقه فهو مجملٌ متشابهٌ يجب تأويله أو يسوغ. فضابط التأويل عندهم ما خالف تلك الطواغيت.

ومَن تدبَّر هذا الموضع انتفع به غاية النفع، وتخلَّص به مِن أشراك الضلال. فإن الذين يقرُّون برسالة النبي ﷺ، وفيهم نوع إيمانٍ به، منهم مَن يجعل له شريكًا في الطاعة، كما كان المنافقون يطيعون عبد الله بن أُبَيٍّ رأس المنافقين وكبيرهم٢، وكان كثيرٌ ممَّن في قلبه نوع مرضٍ - وإن لم يكن منافقًا خالصًا - يطيعه في كثير من الأمور ويَقبَل منه، كما قال تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] والمعنى على أصحِّ القولين: وفيكم مستجيبون لهم قابلون منهم٣. كما قال الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤٣] أي:

  1. (١) «ح»: «لهم».
  2. (٢) «ح»: «وكيدهم».
  3. (٣) وهو قول قتادة وابن إسحاق، رواه عنهما الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٨٦) والثعلبي في «الكشف والبيان» (١٣/ ٣٩٧). والقول الآخر هو قول مجاهد وابن زيد، رواه عنهما الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٨٦) والثعلبي في «الكشف والبيان» (١٣/ ٣٩٦).
119

قابلون له. ومَن حملَ١ الآية على العيون والجواسيس فقوله ضعيفٌ لوجوهٍ كثيرةٍ، ليس هذا موضعها.

وكما كان أصحاب مسيلِمة يقولون: إنه شريكه في الطاعة، وإنه يُقبَل منه كما يُقبَل من النبي ﷺ.

وكان عبد الله بن أُبَيٍّ يقدم سياسته ورأيه على ما جاء به أحيانًا، ويغضب إذا لم يسمع منه، ويغضب له قومه.

وكذلك رئيس الخوارج السَّجَّاد العَبَّاد الذي بين عينيه أثر السجود، قدَّم عقله وزايَدَ على ما جاء به في قسمة المال، وزعم أنه لم يعدل فيها٢.

وكذلك غُلاة الرافضة قدَّموا عقولهم وآراءهم على ما جاء به، وزعموا أنه لم يعدل حيث أمَرَ أبا بكر أن يصلي بالناس٣ وابنُ عمِّه حاضر، ولم يعدل حيث أثنى على أبي بكر وعمر وعظَّمهما، فأوجبَ٤ أن الأمة بعده وَلَّوهما دون ابن عمِّه.

وكذلك الجهمية، قدَّموا عقولهم وآراءهم على ما جاء به، وزعموا أنه لم يعدل في العبارة، حيث عدل عن العبارة التي عبَّرُوا هم بها عن الله سبحانه، وعبَّر بما أوقع الأمةَ في اعتقاد التشبيه والتجسيم، وحمَّلَهم كلفةَ التأويل وجشَّمهم مشقتَه، وأوقع الخلافَ بين الأُمة بتلك العبارات التي عباراتهم

  1. (١) «ح»: «حلى». ولعل المثبت هو الصواب.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٣١٥٠) ومسلم (١٠٦٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٦٦٤) ومسلم (٤١٨) عن أم المؤمنين عائشة ﵂.
  4. (٤) «ح»: «أوجب».
120

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي