وأراد إفهام معنى: مَنْ ربُّك؟ ومَنْ تعبد؟ بقوله: «أَيْنَ اللهُ؟»٣ وأشار بإصبعه إلى السماء مستشهِدًا بربه٤، وليس هناك ربٌّ ولا إلهٌ، وإنما أراد إفهام السامعين أن الله قد سمع قولَه وقولهم، فأراد بالإشارة بإصبعه بيان كَوْنه قد سمع قولهم.
(١) أخرج البخاري (٣٢١٥) ومسلم (٢٣٧٦) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا يَنبغِي لِعبدٍ أن يقولَ: أنا خيرٌ مِن يُونُسَ بن مَتَّى». ولم نقف عليه باللفظ الذي ذكره المصنِّف ﵀ إلَّا في «الشفاء» للقاضي عياض (١/ ٢٦٥) دون سند، وتبعه غير واحد، وقال السيوطي في «مناهل الصفا» (ص ٧٥): «لم أقف عليه بهذا اللفظ». وقال السخاوي في «الأجوبة المرضية» (٢/ ٤٢٩) نحوه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم (٥٣٧) عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁.
(٤) أخرجه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله ﵄ في حديث حجة الوداع الطويل.
وأمثال ذلك من التأويلات الباطلة:
كقول بعضهم في معنى قوله: «عامَلَ رسولُ الله ﷺ أهلَ خيبرَ على شَطرِ ما يخرج منها مِن ثمرٍ وزرعٍ»١: إن معناه ضرَبَ عليهم الجزيةَ. وهذا كذبٌ على اللفظ، وكذبٌ على الرسول؛ فإنه ليس ذلك معنى اللفظ، وأهلُ خيبر لم يضرب عليهم الجزيةَ؛ لأنه صالَحَهم وفتحَها قبل نزول فرْضِ الجزية.
وكتأويل بعضهم قولَه ﷺ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ»٢ أن المراد به الْتِقامُ الثدي من غير ارتضاع اللبن ودخوله إلى جوفه.
إلى أضعافِ أضعافِ ذلك من التأويلات الباطلة التي يعلم السامعُ قطعًا أنها لم تُرَد بالخطاب بقصد المتكلم لها بتلك الألفاظ الدالة على نقيضها من كل وجهٍ لا يجامع٣ قصدَ البيان والدلالة٤.
قال شيخ الإسلام٥: «إن كان الحقُّ فيما يقوله هؤلاء النُّفاة الذين لا يُوجد ما يقولونه في الكتاب والسُّنَّة، وكلام القرون الثلاثة المعظَّمة على سائر القرون، ولا في كلام أحدٍ من أئمة الإسلام المقتدَى بهم؛ بل ما في الكتاب والسُّنَّة وكلام السلف والأئمة يوجد دالًّا٦ على خلاف الحق عندهم، إمَّا نصًّا وإمَّا ظاهرًا، بل دالًّا عندهم على الكفر والضلال = لَزِمَ من
(١) أخرجه البخاري (٢٣٢٨) ومسلم (١٥٥١) عن عبد الله بن عمر ﵄.
(٢) أخرجه مسلم (١٤٥٠) عن أم المؤمنين عائشة ﵂.
(٣) كذا في «ح»، والسياق غير بينٍ، فلعله قد سقط شيء.
(٤) «ح»: «والدالة».
(٥) لم أقف على هذا الكلام الرائع لشيخ الإسلام في كتبه التي تحت يدي.