الصواعق المرسلة

والجهمية وتلامذة الملاحدة أفصحَ منه وأحسنَ بيانًا وتعبيرًا عن الحق. وهذا ممَّا يعلم بطلانَه بالضرورة أولياؤه وأعداؤه، موافقوه ومخالفوه، فإن مخالفيه لم يشكُّوا في أنه أفصح الخلق وأقدرهم على حُسن التعبير بما يُطابق المعنى ويُخلِّصه من اللبس والإشكال.

وإن كان قادرًا على ذلك، ولم يتكلم به، وتكلم دائمًا بخلافه وما يناقضه، كان ذلك قدحًا في نُصحه. وقد وصف الله رسله بكمال النُّصح والبيان، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٥]، وأخبر عن رسله بأنهم أنصحُ الناس لأُممهم. فمع النُّصح والبيان والمعرفة التامة كيف يكون مذهب النُّفاة المعطِّلة أصحاب التحريف هو الصوابَ، وقولُ أهل الإثبات أتباع القرآن والسُّنَّة باطلًا؟! هذا مضمون المناظرة.

فقال له الجهمي: انزل بنا إلى الوطاءة١.

قلت له: ما أراد بذلك؟

قال: أراد أنك خاطبتني مِن فوقُ، وتجوَّهْتَ٢ عليَّ بجاهٍ لا يمكنني مقاومته، فانزل بنا إلى مباحث الفضلاء وقواعد النُّظار، أو نحو هذا من الكلام.

فليتدبر الناصحُ لنفسه - الموقِن بأن الله٣ لا بد سائله عمَّا أجاب به

  1. (١) لعله من الوطأة التي هي موضع القدم، أراد: لا تتعاظمْ عليَّ وانزِلْ إليَّ. ينظر «تاج العروس» (١/ ٤٩٤ - ٤٩٥).
  2. (٢) أراد: تعاظمت. ينظر «تاج العروس» (٣٦/ ٣٧١).
  3. (٣) «ح»: «بالله».
134

رسوله - هذا المقامَ، ولْيتحيَّز بعدُ إلى١ أين شاء، فلم يكن الله ليجمعَ بين النُّفاة المعطلين المحرِّفين وبين أنصاره وأنصار رسوله وكتابه٢ إلَّا جمعَ امتحانٍ وابتلاء، كما جمع بين الرُّسل وأعدائهم في هذه الدار.

قلت: وقريبٌ من هذه المناظرة ما جرى لي مع بعض علماء أهل الكتاب٣، فإنه جمعَني وإياه مجلسُ خلوةٍ، أفضى بنا٤ الكلام إلى أن جرى ذِكر مسبَّة النصارى لربِّ العالمين مسبةً ما سبَّه إيَّاها أحدٌ من البشر، فقلت له: وأنتم بإنكاركم نبوةَ محمدٍ ﷺ قد سببتم الربَّ تعالى أعظمَ مسبةً.

قال: وكيف ذلك؟

قلت: لأنكم تزعمون أن محمدًا مَلِكٌ ظالمٌ، ليس برسولٍ صادقٍ، وأنه خرج يستعرض الناس بسيفه، فيستبيح أموالهم ونساءهم وذراريَّهم، ولا يقتصر على ذلك حتى يَكذِبَ على الله ويقولَ: الله أمرني بهذا وأباحه لي. ولم يأمره اللهُ ولا أباح له ذلك. ويقولَ: أُوحِيَ إليَّ. ولم يُوحَ إليه شيءٌ. وينسخَ شرائعَ الأنبياء مِن عنده، ويُبطِلَ منها ما يشاء، ويُبقِيَ منها ما يشاء، ويَنسُبَ ذلك كله إلى الله، ويقتلَ أولياءه وأتباعَ رُسله، ويسترقَّ نساءهم وذُرياتهم. فإمَّا أن يكون الله سبحانه رائيًا لذلك كله عالمًا به مطلعًا عليه أو لا.

فإن قلتم: إن ذلك بغير علمه واطلاعه [ق ١٥ أ] نسبتموه إلى الجهل

  1. (١) «ح»: «أجدال».
  2. (٢) «ح»: «وكأنه».
  3. (٣) ذكر المصنف ﵀ هذه المناظرة أيضًا في «التبيان في أيمان القرآن» (ص ٢٧٠ - ٢٧٤) وفي «هداية الحيارى» (ص ٣٨٤ - ٣٨٥) وبيَّن أنه كانت مع أكبر علماء اليهود.
  4. (٤) «ب»، «ح»: «بيننا». والمثبت من «م».
135

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي