الصواعق المرسلة

ليحملوا عليه آيات الصِّفات وأخبارها، فيصرفوا قلوبهم وأفهامهم عمَّا تدل عليه، ويفهموا منها ما لا تدل عليه، بل تدل على خلافه.

ويقول: اعلموا يا عبادي أني أردتُ منكم أن تعلموا أني لست فوق العالَم ولا تحته، ولا فوق عرشي، ولا ترفع الأيدي إليَّ، ولا يعرُجُ إليَّ شيءٌ، ولا ينزل من عندي شيءٌ من قولي: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤]، ومن قولي: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، ومن قولي: ﴿تَعْرُجُ اُلْمَلَائِكَةُ وَاَلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، ومن قولي: ﴿بَل رَّفَعَهُ اُللَّهُ إِلَيْهِ﴾١ [النساء: ١٥٧]، ومن قولي: ﴿رَفِيعُ اُلدَّرَجَاتِ ذُو اُلْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٤] ومن قولي: ﴿وَهْوَ اَلْعَلِيُّ اُلْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ومن قولي: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، ومن قولي: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ٢١ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢١ - ٢٢]، ومن قولي: ﴿* آامِنتُم مَّن فِي اِلسَّمَاءِ اَن يَخْسِفَ بِكُمُ اُلْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٧]، ومن قولي: ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١]، ومن قولي: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اُلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]. وأن تفهموا أنه ليس لي يدانِ من قولي: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٤]، ومن قولي: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٦]، ولا عين من قولي: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ﴾ [طه: ٣٩]. فإنكم إذا فهمتم من هذه [ق ١٥ ب] الألفاظ حقائقَها وظواهرها فهمتم خلاف مرادي منها، بل مرادي منكم أن تفهموا منها ما يدل على خلاف حقائقها وظواهرها.

فأي تيسيرٍ يكون هناك! وأي تعقيدٍ وتعسيرٍ لم يحصل بذلك! ومعلوم أن خطاب الرجل بما لا يفهمه إلَّا بترجمة أيسرُ عليه من خطابه بما كُلِّف أن

  1. (١) «ومن قوله ﴿بَل رَّفَعَهُ اُللَّهُ إِلَيْهِ﴾» ليس في «ب».
140

يفهم منه خلاف موضوعه١ وحقيقته بكثيرٍ. فتيسيرُ٢ القرآن منافٍ لطريقة النُّفاة المحرِّفين أعظمَ منافاةً. ولهذا لمَّا عسر عليهم أن يفهموا منه النفي، وعزَّ٣ عليهم ذلك، عوَّلوا فيه على الشُّبَه الخيالية٤ التي سمَّوْها قواطع عقلية وقواعد يقينية٥. وإذا تأملها مَن نوَّر اللهُ قلبَه، وكحَّل عينَ بصيرته بمِرْوَد الإيمان، رآها «لحم جملٍ غثٍّ على رأس جبلٍ وعرٍ، لا سهل فيُرتقى، ولا سمين فيُنتقَل»٦، وهي من جنس خيالات الممرورين٧ وأصحاب الهوس، وقد سودوا بها القلوب والأوراق.

فطريقتهم ضدُّ طريقة القرآن من كل وجهٍ، إذ طريقة القرآن حقٌّ بأحسن تفسيرٍ وأبينِ عبارةٍ، وطريقتهم معانٍ باطلة بأعقدِ عبارةٍ وأطولها وأبعدها من الفهم. فيجهد الرجل الظمآن٨ نفسَه وراءهم حتى تنفد قُواه، فإذا هو قد اطلع على سرابٍ بِقِيعَةٍ: ﴿يَحْسِبُهُ اُلظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اَللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاَللَّهُ سَرِيعُ اُلْحِسَابِ (٣٨) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ

  1. (١) «ح»: «موضعه».
  2. (٢) «ح»: «تفسير».
  3. (٣) «ح»: «وعسر».
  4. (٤) «ح»: «الخالية». وهو تحريف.
  5. (٥) «ح»: «وقواطع تفنيد». وهو تحريف.
  6. (٦) مقتبس من حديث أم زرع الذي رواه البخاري (٥١٨٩) ومسلم (٢٤٤٨) عن أم المؤمنين عائشة ﵂.
  7. (٧) أي: المجانين، قال الثعالبي في «فقه اللغة وسر العربية» (ص ١٠٨): «إذا كان الرجل يعتريه أدنى جنون وأهونه فهو موسوس، فإذا زاد ما به قيل: به رئي من الجن. فإذا زاد على ذلك فهو ممرور».
  8. (٨) «ب»: «المضمار».
141

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي