الصواعق المرسلة

يفهم منه خلاف موضوعه١ وحقيقته بكثيرٍ. فتيسيرُ٢ القرآن منافٍ لطريقة النُّفاة المحرِّفين أعظمَ منافاةً. ولهذا لمَّا عسر عليهم أن يفهموا منه النفي، وعزَّ٣ عليهم ذلك، عوَّلوا فيه على الشُّبَه الخيالية٤ التي سمَّوْها قواطع عقلية وقواعد يقينية٥. وإذا تأملها مَن نوَّر اللهُ قلبَه، وكحَّل عينَ بصيرته بمِرْوَد الإيمان، رآها «لحم جملٍ غثٍّ على رأس جبلٍ وعرٍ، لا سهل فيُرتقى، ولا سمين فيُنتقَل»٦، وهي من جنس خيالات الممرورين٧ وأصحاب الهوس، وقد سودوا بها القلوب والأوراق.

فطريقتهم ضدُّ طريقة القرآن من كل وجهٍ، إذ طريقة القرآن حقٌّ بأحسن تفسيرٍ وأبينِ عبارةٍ، وطريقتهم معانٍ باطلة بأعقدِ عبارةٍ وأطولها وأبعدها من الفهم. فيجهد الرجل الظمآن٨ نفسَه وراءهم حتى تنفد قُواه، فإذا هو قد اطلع على سرابٍ بِقِيعَةٍ: ﴿يَحْسِبُهُ اُلظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اَللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاَللَّهُ سَرِيعُ اُلْحِسَابِ (٣٨) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ

  1. (١) «ح»: «موضعه».
  2. (٢) «ح»: «تفسير».
  3. (٣) «ح»: «وعسر».
  4. (٤) «ح»: «الخالية». وهو تحريف.
  5. (٥) «ح»: «وقواطع تفنيد». وهو تحريف.
  6. (٦) مقتبس من حديث أم زرع الذي رواه البخاري (٥١٨٩) ومسلم (٢٤٤٨) عن أم المؤمنين عائشة ﵂.
  7. (٧) أي: المجانين، قال الثعالبي في «فقه اللغة وسر العربية» (ص ١٠٨): «إذا كان الرجل يعتريه أدنى جنون وأهونه فهو موسوس، فإذا زاد ما به قيل: به رئي من الجن. فإذا زاد على ذلك فهو ممرور».
  8. (٨) «ب»: «المضمار».
141

لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اِللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٣٨ - ٣٩]. والله يعلم أنَّا لم نَقُلْ ذلك تقليدًا لغيرنا١، بل إخبارًا عمَّا شاهدناه ورأيناه.

وإذا أحببتَ أن تعلم ذلك حقيقةً فتأمَّل عامة مطالبهم وأدلتهم عليها، كيف تجدها مطالب - بعد التعب الشديد والجهد الجَهِيد - لا يحصل منها على مطلبٍ صحيحٍ، فإنهم بعد الكدِّ والجهد لم يثبتوا للعالَم ربًّا مباينًا عنه منفصلًا منه، بل بعد الجهد الشديد في إثبات موجودٍ لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، هم شاكُّون في وجوده: هل هو نفس ماهيته أو زائد عليها؟ فمِن ذاهبٍ إلى أنه زائدٌ، ومن ذاهبٍ إلى أنه ليس بزائدٍ، ومن متوقفٍ في وجوده شاكٍّ فيه، هل هو نفس ماهيته أو زائد عليها؟

ثم هم شاكُّون في أن صفاته هل٢ هي وجودية أو عدمية، أو لا وجودية ولا عدمية؟ وهل هي زائدة على الموصوف أو ليست زائدة؟ فكيف تثبت له على وجهٍ لا يُوجِب تكثُّرًا في الذات ولا مغايرة بينها، فبعضهم يجعلها أمورًا عدمية، وبعضهم أحوالًا نسبية٣، وبعضهم يتوقف فيها. ومنهم مَن يجعل علمه نفس ذاته، فيجعل ذاته علمًا، ومنهم مَن يجعل علمه نفس معلومه، ومنهم من يجعل علمه واحدًا لا يتعدد٤ ولا ينقسم، فيجعل علمه بوجود

  1. (١) «ب»: «كغيرنا».
  2. (٢) «هل» ليس في «ب».
  3. (٣) «ح»: «سنية».
  4. (٤) «ح»: «يتعدى».
142

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي