في أن التأويل يعود على المقصود من٢ وضع اللغات بالإبطال
لمَّا جعل الله سبحانه نوع الإنسان يحتاج بعضُه إلى بعضٍ، فلا يمكن الإنسانَ٣ أن يعيش وحده، بل لا بد له من مشاركٍ ومعاوِنٍ من بني جنسه، كما قيل: الإنسان مدني بالطبع، وكان لا يعرف كل منهم ما يريد صاحبُه من الأفعال والتُّروك إلَّا بعلامة تدل على ذلك، وتلك العلامة إمَّا تحريك جسمٍ من الأجسام المنفصلة عنه، أو تحريك بعض أعضائه، فيجعل لكل معنًى حركة خاصة، ومعلوم أن في الأول من العُسر والمشقة وعدم الإحاطة بالتعريف ما يمنع وضعه، فكان تحريك الأعضاء أسهل وأدلَّ وأعمَّ، وكانت حركة الأعضاء نوعين، نوعٌ للبصر ونوعٌ للأذن، والذي للأذن أعم، والإنسان إليه أحوج. وكان أولى هذه الأعضاء بأن يجعل حركاتها٤ دالةً مُعَرِّفةً هو اللسان٥؛ لأن حركته أخف وأسهل، وتنوُّعها أعظم وأكثر من تنوع حركة غيره، وترجمته عمَّا٦ في القلب أظهرُ من ترجمة غيره، ويتمكن المعرِّف بحركاته٧ من حركات مفردة ومؤلفة، يحصل بها من الفرق والتمييز ما
(١) «ح»: «الثالث».
(٢) «ح»: «في».
(٣) «الإنسان» ليس في «ب».
(٤) «ح»: «حركته».
(٥) «ح»: «وهو الإنسان». وهو تحريف.
(٦) «ح»: «كما». وهو تحريف.
(٧) «ح»: «وتمكن المعروف لحركاته». وهو تحريف.
لا يحصل بغيره١ = كان٢ أقربُ الطرق إلى هذا المقصد٣ هو الكلامَ الذي جعله الله سبحانه في اللسان، وجعله دليلًا على ما في الجَنان، وجعل ذلك من دلائل ربوبيته ووحدانيته وكمال علمه وحكمته.
هكذا قال الشاعر هذا البيت، وهكذا هو٦ في «ديوانه»، قال أبو البيان٧: أنا رأيته في «ديوانه»٨ كذلك، فحرَّفه عليه بعض النُّفاة وقالوا:
(١) «ح»: «لغيره».
(٢) جواب «لما» الواردة في أول الفصل.
(٣) «ح»: «القصد».
(٤) «ب»: «فقال».
(٥) نُسب هذا البيت إلى الأخطل، نسبه إليه ابن عصفور في «شرح الجمل» (ص ٨٥) وابن هشام في «شرح الشذور» (ص ٣٥). والبيت ليس في «ديوان الأخطل»، إنما ألحقه محقق «الديوان» مما نسب إليه (ص ٥٠٨).
(٦) «هو» ليس في «ح».
(٧) هو الشيخ نبأ بن محمد بن محفوظ الشافعي (ت ٥٥١ هـ) شيخ الطريقة البيانية، ترجمته في «معجم الأدباء» لياقوت (٦/ ٢٧٤٢) و«سير أعلام النبلاء» للذهبي (٢٠/ ٣٢٦).
(٨) كان أبو البيان ينشد هذا البيت لابن صمصام الرقاش بلفظ: إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ لِمَا يَقُولُ رَسُولَا في تسعة أبيات، وينكر نسبته إلى الأخطل أصلًا، ويقول: «من زعم أن هذا الشعر للأخطل التغلبي فقد أخطأ». نقله عنه اليونيني في «ذيل مرآة الزمان» (٣/ ١٨٩). وقال ابن قدامة في «البرهان» (ص ١٥٢): «سمعت شيخنا أبا محمد بن الخشاب ﵀، وكان إمام عصره في العربية - يقول: قد فتشت دواوين الأخطل العتيقة فلم أجد هذا البيت فيها».