الصواعق المرسلة
إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَاجُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْكَلَامِ دَلِيلَا

والمقصود أن العبد لا يعلم ما في ضمير١ صاحبه إلَّا بالألفاظ الدالة على ذلك، فإذا حمل السامعُ كلامَ المتكلم على خلاف ما وُضع له وخلاف ما يُفهم منه عند التخاطب٢ عاد على مقصود اللغات بالإبطال، ولم يحصل مقصود المتكلم، ولا مصلحة٣ المخاطَب، وكان ذلك أقبحَ من تعطيل٤ اللسان عن كلامه، فإن غاية ذلك أن تفوت مصلحة البيان، وإذا حُمل على ضد مقصوده فوَّتَ مصلحة البيان، وأوقع في ضد المقصود. ولهذا قال بعض العقلاء: اللسان الكذوب شرٌّ من اللسان٥ الأخرس، لأن اللسان٦ الأخرس قد تعطلت منفعته، ولم يحدث منه فسادٌ، ولسان الكذوب قد تعطلت منفعته، وزاد بمفسدة الكذب. فالمتكلم بما ظاهره وحقيقته ووضعُه

  1. (١) «ح»: «ضميره».
  2. (٢) «ح»: «المخاطب».
  3. (٣) «ح»: «مصالحة».
  4. (٤) «ح»: «تعليل».
  5. (٥) «ب»: «لسان».
  6. (٦) «ب»: «لسان».
149

باطلٌ وضلالٌ - وهو يريد به أن يفهم منه خلاف وضعه وحقيقته - أضرُّ على المخاطَب، ولسان الأخرس أقل مفسدةً منه. فترك وضع اللغات أنفعُ للناس١ من تعريضها للتأويل المخالف لمفهومها وحقائقها. وهكذا كل عضوٍ خُلق لمنفعة إذا لم يحصل منه إلَّا ضد تلك المنفعة كان عدمه خيرًا من وجوده.

يوضح٢ ذلك أن المتكلم بكلامٍ - له حقيقةٌ وظاهرٌ [ق ١٦ ب] لا يُفهم منه غيره - مريدٌ بكلامه حقيقته وما يدل عليه ويُفهم٣ منه. فإذا ادَّعى أني أردتُ بكلامي خلاف ظاهره وما يُفهم منه كان كاذبًا؛ إمَّا في دعوى إرادة ذلك، أو في دعوى إرادة٤ البيان والإفهام؛ فحملُ كلامه على التأويل الباطل تكذيبٌ له في أحد الأمرين ولا بد.

ولهذا كان التأويل الباطل فتحًا لباب الزندقة والإلحاد، وتطريقًا لأعداء الدِّين على نقضه، وبيانه بذكر٥:

  1. (١) «ح»: «للإنسان».
  2. (٢) «ح»: «أوضح».
  3. (٣) «ح»: «ما يفهم».
  4. (٤) «ح»: «إرادته».
  5. (٥) في النسختين: «يذكر».
150

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي