ومن عظيم آفاتها ومصيبة الأُمة بها أن الأهواء المضِلة والآراء المهلِكة التي تتولد مِن قِبَلها لا تزال تنمو وتتزايد على ممرِّ الأيام وتعاقُب الأزمنة. وليست الحال في الضلالات التي حدثت مِن قبل أصول الأديان الفاسدة كذلك؛ فإن فساد تلك معلومٌ عند الأُمة، وأصحابها لا يطمعون في إدخالها في دين الإسلام، فلا يطمع أهل الملة اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية ولا الثانوية ونحوهم أن يُدخِلوا أصول مللهم١ في الإسلام، ولا يدعوا مسلمًا إليه، ولا يدخلوه إليهم من بابه أبدًا، بخلاف فرقة التأويل، فإنهم يدعون المسلم من باب القرآن والسُّنَّة وتعظيمهما، وأن لنصوصهما تأويلًا لا يُوجد إلَّا عند خواص أهل العلم والتحقيق، وأن العامة في عمًى عنه؛ فضرر هذه الفرقة على الإسلام وأهله أعظم من ضرر أعدائه المنابذين له. ومثلهم ومثل أولئك كمثل قومٍ في حصنٍ حاربهم عدوٌّ لهم فلم يطمعوا٢ في فتح حصنهم والدخول عليهم، فعمَدَ جماعةٌ من أهل الحصن ففتحوه له، وسلَّطُوه على الدخول إليه، فكان مُصاب أهل الحصن مِن قِبَلهم.
وبالجملة، فالأهواء المتولِّدة من قبل التأويلات الباطلة فغير محصورة ولا متناهية، بل هي متزايدة نامية بحسب سوانح المتأولين وخواطرهم، وما تُخرِجهم إليه ظنونهم وأوهامهم. ولذلك لا يزال المستقصي عند نفسه في البحث عن المقالات وتتبُّعِها يهجم على أقوال من مذاهب أهل التأويل لم
(١) «ح»: «ملتهم».
(٢) «ح»: «يطيعوا».
تكن تخطر له على بالٍ، ولا تدور له في خيال، ويرى أمواجًا من زَبَد الصدور تتلاطم، ليس لها ضابط إلَّا سوانحُ وخواطر وهوسٌ تقذف به النفوس التي لم يؤيِّدها الله بروح الحق، ولا١ أشرقت عليها شمسُ الهداية، ولا باشرت حقيقةَ الإيمان، فخواطرُها وهوسُها لا غايةَ له يقف عندها. فإن أردت الإشراف على ذلك فتأمَّلْ كُتب المقالات والآراء والدِّيانات، تجدْ كل ما يخطر ببالك قد ذهب إليه ذاهبون، وصار إليه صائرون، ووراء ذلك ما لم يخطر لك على بالٍ.
وكلُّ هذه الفرق تتأول نصوص الوحي على قولها، وتحمله على تأويلها؛ ومع ذلك فتجد أُولِي العقول الضعيفة إلى الاستجابة لهم مسارِعين، وفي القبول منهم راغبين. فهم مبادرون إلى أخْذِ ما يوردونه عليهم، وقبولهم إيَّاه عنهم، وعلى الدعوة إليه هم أشد حرصًا منهم على الدعوة إلى الحق الذي جاءت به الرُّسل. ولم يُوجد الأمر في قبول دعوة الرسل كذلك، بل قد عُلم ما لَقِيَ المرسلون في الدعوة إلى الله من الجَهْد والمشقة والمكابدة، ولقُوا أشد العناء والمكروه، وقاسوا أبلغ الأذى، حتى استجاب لهم مَنِ استجاب إلى الحق الذي هو مُوجِب الفِطَر، وشقيق الأرواح، وحياة القلوب، وقرة العيون، ونجاة النفوس، حتى إذا أطْلَعَ شيطان التأويل رأسَه، وأبدى لهم عن ناجذيه، ورفع لهم عَلَمًا [ق ١٧ أ] من التأويل، طاروا إليه زَرَافاتٍ ووُحدانًا. فهم إخوان السِّفِلة الطَّغَام، أشباه الأنعام، بل أضل من الأنعام، طَبْلٌ يجمعهم، وعصًا تفرِّقُهم! فانظر ما لَقِيَه نوح وإبراهيم وصالح وهود وشعيب وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم - في