الصواعق المرسلة

الفوقية وعلو الله تعالى على عرشه، وأنه تكلَّم١ ويتكلم، وأنه موصوف بالصفات، وأن له أفعالًا تقوم به٢ هو بها فاعلٌ، وأنه يُرى بالأبصار، إلى غير ذلك من نصوص الصِّفات، التي إذا قِيسَ إليها نصوص حَشْرِ هذه الأجساد وخراب هذا العالم وإعدامه وإنشاء عالَم آخر، وُجدت نصوصُ الصِّفات أضعافَ أضعافها، فهذه الآيات والأخبار الدالة على علو الربِّ تعالى على خلقه وفوقيته واستوائه على عرشه قد قيل إنها تُقارِبُ الألفَ، وقد أجمعت عليها الرسلُ من أولهم إلى آخرهم. فما الذي سوَّغَ لكم تأويلها، وحرَّمَ علينا تأويل٣ نصوص حشْرِ الأجساد وخراب العالَم؟

فإن قلتم: الرُّسل أجمعوا على المجيء به، فلا يمكن تأويله.

قيل: وقد أجمعوا على أن الله فوق عرشه، وأنه متكلمٌ مُكلَّمٌ، فاعلٌ حقيقةً، موصوف بالصفات، فإنْ مُنِعَ إجماعهم هناك من التأويل وَجَبَ أن يمنع هاهنا.

فإن قلتم: العقل أوجبَ تأويلَ نصوص الصِّفات، ولم يوجب٤ تأويل نصوص المعاد.

قلنا: هاتوا أدلة العقول التي تأولتم بها الصِّفات، ونحضر نحن أدلة العقول التي تأولنا بها المعاد وحشْرَ الأجساد، ونوازن بينها ليتبَّينَ أيها٥ أقوى.

  1. (١) «ح»: «يكلم».
  2. (٢) «ب»: «يقوم».
  3. (٣) «تأويل» سقط من «ح».
  4. (٤) «ح»: «يجب».
  5. (٥) «ح»: «لتبيين أنها».
164

فإن قلتم: إنكار المعاد تكذيبٌ لِمَا عُلم من دِين الرسل بالضرورة.

قلنا: وإنكار صفات الربِّ وأنه متكلم آمرٌ ناهٍ١ فوق سماواته، وأن الأمر ينزل مِن عنده ويصعد إليه تكذيبٌ لما عُلم أنهم جاؤوا به ضرورةً.

فإن قلتم: تأويلنا للنصوص التي جاؤوا بها لا يستلزم تكذيبهم وردَّ أخبارهم.

قلنا: فمن أين صار تأويلنا للنصوص التي جاؤوا بها في المعاد٢ يستلزم تكذيبهم وردَّ أخبارهم دون تأويلكم إلَّا لمجرد٣ التحكم والتشهِّي.

[ق ١٨ ب] فصاحت القرامطة والملاحدة والباطنية وقالت: ما الذي سوَّغَ لكم تأويل الأخبار، وحرَّم علينا تأويلَ الأمر والنهي والتحريم والإيجاب، وموردُ الجميع من مِشكاةٍ واحدةٍ، فنحن سلكنا في تأويل الشرائع العملية نظير ما سلكتم في تأويل النصوص الخبرية؟

قالوا: وأين تقع نصوص الأمر والنهي من٤ نصوص الخبر؟

قالوا: وكثيرٌ٥ منكم قد فتحوا لنا باب التأويل في الأمر، فأوَّلُوا أوامر ونواهي كثيرة صريحة الدلالة أو ظاهرة الدلالة في معناها بما يُخرجها عن حقائقها وظواهرها. فهَلُمَّ٦ نضعها في كفةٍ، ونضع تأويلاتنا في كفةٍ، ونوازن

  1. (١) «ناه» سقط من «ح».
  2. (٢) «ب»: «العناد».
  3. (٣) «إلا لمجرد» في «ب»: «بمجرد».
  4. (٤) «ب»: «و».
  5. (٥) «وكثير» ليس في «ب».
  6. (٦) «ح»: «فلهم».
165

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي