الصواعق المرسلة

فإن قلتم: إنكار المعاد تكذيبٌ لِمَا عُلم من دِين الرسل بالضرورة.

قلنا: وإنكار صفات الربِّ وأنه متكلم آمرٌ ناهٍ١ فوق سماواته، وأن الأمر ينزل مِن عنده ويصعد إليه تكذيبٌ لما عُلم أنهم جاؤوا به ضرورةً.

فإن قلتم: تأويلنا للنصوص التي جاؤوا بها لا يستلزم تكذيبهم وردَّ أخبارهم.

قلنا: فمن أين صار تأويلنا للنصوص التي جاؤوا بها في المعاد٢ يستلزم تكذيبهم وردَّ أخبارهم دون تأويلكم إلَّا لمجرد٣ التحكم والتشهِّي.

[ق ١٨ ب] فصاحت القرامطة والملاحدة والباطنية وقالت: ما الذي سوَّغَ لكم تأويل الأخبار، وحرَّم علينا تأويلَ الأمر والنهي والتحريم والإيجاب، وموردُ الجميع من مِشكاةٍ واحدةٍ، فنحن سلكنا في تأويل الشرائع العملية نظير ما سلكتم في تأويل النصوص الخبرية؟

قالوا: وأين تقع نصوص الأمر والنهي من٤ نصوص الخبر؟

قالوا: وكثيرٌ٥ منكم قد فتحوا لنا باب التأويل في الأمر، فأوَّلُوا أوامر ونواهي كثيرة صريحة الدلالة أو ظاهرة الدلالة في معناها بما يُخرجها عن حقائقها وظواهرها. فهَلُمَّ٦ نضعها في كفةٍ، ونضع تأويلاتنا في كفةٍ، ونوازن

  1. (١) «ناه» سقط من «ح».
  2. (٢) «ب»: «العناد».
  3. (٣) «إلا لمجرد» في «ب»: «بمجرد».
  4. (٤) «ب»: «و».
  5. (٥) «وكثير» ليس في «ب».
  6. (٦) «ح»: «فلهم».
165

بينهما١! ونحن لا ننكر أنَّا أكثر تأويلًا منهم وأوسعُ، لكنَّا وجدنا بابًا مفتوحًا فدخلناه، وطريقًا مسلوكًا فسلكناه، فإن كان التأويل حقًّا فنحن أسعد الناس به، وإن كان باطلًا فنحن وأنتم مشتركون فيه، ومستقلٌّ ومستكثِرٌ!

فهذا من شؤم جناية التأويل على أصول الإيمان والإسلام.

وقد قيل: إنَّ طردَ إبليس ولعنه إنما كان بسبب التأويل، فإنه عارَضَ النص بالقياس وقدَّمه عليه، وتأول لنفسه أن هذا القياس العقلي مقدَّمٌ على نصِّ٢ الأمر بالسجود، فإنه٣ قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: ١١]. وهذا دليلٌ قد حُذفت إحدى مقدمتَيْهِ، وهي أن الفاضل لا يخضع للمفضول، وطوى ذِكر هذه المقدمة كأنها مقرَّرة لكونها معلومة٤، وقرَّر المقدمة الأولى بقوله ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١] فكان نتيجة المقدمتين امتناعه من السجود. وظن أن هذه الشبهة العقلية تنفعه في تأويله، فجرى عليه ما جرى، وصار إمامًا لكلِّ مَن عارض نصوص الوحي بتأويله الباطل إلى يوم القيامة. ولا إله إلَّا الله، كم لهذا الإمام اللعين من أتباعٍ من العالمين!

وأنت إذا تأملتَ عامة شُبَه المتأولين - التي تأولوا لأجلها النصوص وعطلوها - رأيتها من جنس شبهته. والقائل: «إذا تعارض العقل والنقل قدَّمنا

  1. (١) «ب»: «بينها».
  2. (٢) «ح»: «نصوص».
  3. (٣) «ح»: «لأنه».
  4. (٤) هكذا في «ب» وفي «ح»: «المقدمة منها صورة لكونها معلومة» وفي «م»: «المقدمة كأنها صورة معلومة» والظاهر أن «صورة» تحريف «مقررة».
166

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي