الصواعق المرسلة

المنهي عنه تلك الشجرة المعينة دون سائر النوع لم يكن عاصيًا بأكله من غيرها، ولا أخرجه الله من الجنة ونزع عنه لباسه.

وقالت فرقة أخرى: تأول آدم أن النهي نهي تنزيهٍ لا نهي تحريمٍ، فأقدم على الأكل لذلك.

وهذا باطلٌ قطعًا من وجوهٍ كثيرةٍ، يكفي منها قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ اَلظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. وأيضًا فحيث نهى الله عن فعل الشيء بقربانه لم يكن إلَّا للتحريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا اُلزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اَلْيَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وأيضًا لو كان للتنزيه لَمَا أخرجه الله من الجنة وأخبر أنه عصى ربَّه.

وقالت طائفة: بل كان تأويله أن النهي إنما كان عن قُربانهما وأكلهما معًا، لا عن أكل كلٍّ منهما على انفراده؛ لأن قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ [البقرة: ٣٤] نهيٌ لهما على الجمع، ولا يلزم من حصول النهي حالَ الاجتماع حصوله حال الانفراد.

وهذا التأويل ذكره ابن الخطيب في «تفسيره»١، وهو كما ترى في البطلان والفساد. ونحن نقطع أن هذا التأويل لم يخطر بقلب آدم وحواء البتةَ، وهما كانا أعلمَ بالله من ذلك، وأصحَّ أفهامًا! أفترى فَهِمَ أحدٌ عن الله من قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اَلْيَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا اُلزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢] ونظائره: أي إنما نهيتكم عن اجتماعكم [ق ١٩ أ] على ذلك، دون انفراد

  1. (١) «مفاتيح الغيب» (٣/ ٤٦٢).
168

كل واحدٍ منكم به١؟! فيا للعجب من أوراق وقلوب تُسَوَّد على هذه الهذيانات، وتجد لها حاملًا وقابلًا يستحسنها ويُصغِي بقلبه وسمعِه إليها!

والصواب في ذلك أن يقال: إن آدم صلوات الله وسلامه عليه لما قاسَمَه عدو الله أنه ناصحٌ، وأخرج الكلام على أنواع متعددة من التأكيد:

أحدها: القَسَم.

الثاني: الإتيان بالجملة اسميةً لا فعلية.

الثالث: تصديرها بأداة التأكيد.

الرابع: الإتيان بلام التأكيد في الخبر.

الخامس: الإتيان به اسمَ فاعلٍ لا فعلًا دالًّا على الحدث.

السادس: تقديم المعمول على العامل فيه٢.

ولم يكن آدم يظن أن أحدًا يُقسِم بالله كاذبًا يمينَ غَموسٍ يتجرأ فيها على الله هذه الجرأة، فغرَّه عدو الله بهذا التأكيد والمبالغة، فظن آدم صِدقَه، وأنه إنْ أكل منها لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل - وإن كان فيه مفسدة - فمصلحة الخلود أرجحُ، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة النهي في أثناء ذلك، إمَّا باعتذارٍ، وإمَّا بتوبةٍ، وإمَّا بغير ذلك. كما تجد هذا التأويل قائمًا في نفس كل مَن يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانًا لا شك فيه؛ إذا أقدم على المعصية؛ فوازِنْ بين هذا التأويل وبين تأويلات المحرِّفين يظَهْر لك الصوابُ من الخطأ. والله الموفِّق للصواب.

  1. (١) «به» ليس في «ب».
  2. (٢) «فيه» ليس في «ب».
169

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي