الصواعق المرسلة

فصل

القسم الثاني: ما هو ظاهر في مراد المتكلم ولكنه يقبل التأويل. فهذا يُنظَر في وروده، فإن اطَّرد استعمالُه على وجهٍ واحدٍ استحال تأويله بما يخالف ظاهرَه؛ لأن التأويل إنما يكون لموضع١ جاء نادرًا خارجًا عن نظائره منفردًا عنها، فيُؤوَّل حتى٢ يُرَدَّ إلى نظائره. وتأويل هذا غير ممتنعٍ؛ لأنه إذا عُرف من عادة المتكلم باطراد كلامه في توارُد٣ استعماله معنًى أَلِفَه - أي المخاطب٤ - فإذا جاء موضع يخالفه ردَّه السامع بما عَهِد من عُرف المخاطب إلى عادته المطردة. هذا هو المعقول في الأذهان والفِطر، وعند كافة٥ العقلاء.

وقد صرَّح أئمةُ العربية بأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادُّعي فيه حذفه قد استُعمِل فيه ثبوته أكثر مِن حذفه، فلا بد أن يكون موضع ادعاء الحذف عندهم صالحًا للثبوت، ويكون الثبوت مع ذلك أكثرَ من الحذف٦، حتى٧ إذا جاء ذلك محذوفًا في موضع عُلِمَ بكثرة ذِكره في نظائره أنه قد أُزيلَ من هذا الموضع فحُمِلَ عليه. فهذا شأن مَن يقصد البيان

  1. (١) «ب»: «لوضع».
  2. (٢) في النسختين: «حين». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ب»: «موارد».
  4. (٤) «ب»: «المخاطبون».
  5. (٥) «ح»: «الكافة».
  6. (٦) من قوله: «عندهم صالحا» إلى هنا ليس في «ح».
  7. (٧) «حتى» ليس في «ب».
175

والدلالة، وأما من يقصد التلبيس والتعمية فله شأنٌ آخر.

والقصد أن الظاهر في معناه إذا اطَّرد استعماله في موارده١ اطرادًا مستويًا امتنع تأويله، وإن جاز تأويلُ ظاهرِ ما لم يطَّرِد في موارد استعماله. ومثال ذلك اطِّراد قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤]، ﴿ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٣] في جميع موارده من أولها إلى آخرها على هذا اللفظ، فتأويله بـ «استولى» باطلٌ. وإنما كان يصح أنْ لو كان أكثَرُ مجيئه بلفظ «استولى»، ثم يخرج موضع عن نظائره، ويرد بلفظ «استوى»، فهذا كان يصح تأويله بـ «استولى». فتفطَّنْ لهذا٢ الموضع، واجعلْه قاعدةً فيما يمتنع٣ تأويلُه من كلام المتكلم، وما يجوز تأويله.

ونظير هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله هكذا: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ»٤، «تَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّكُمْ»٥، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]. ولم يَجِئْ في موضعٍ واحدٍ: «ترون ثواب ربكم»، فيُحمَلَ عليه ما خرج عن نظائره.

ونظير ذلك اطِّراد قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ [مريم: ٥١]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾٦ [القصص: ٦٢]، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢١]، ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ اِلطُّورِ إِذْ

  1. (١) «ب»: «مراده».
  2. (٢) «ب»: «بهذا».
  3. (٣) «ح»: «تمنع».
  4. (٤) أخرجه البخاري (٥٥٤) ومسلم (٦٣٣) عن جرير بن عبد الله ﵁.
  5. (٥) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١١٦٤٠) والطبراني في «المعجم الكبير» (٢/ ٢٩٦، ٣١٠) وهو أحد ألفاظ الحديث السابق.
  6. (٦) ﴿وَيَوْمَ﴾ ليس في «ب».
176

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي