والدلالة، وأما من يقصد التلبيس والتعمية فله شأنٌ آخر.
والقصد أن الظاهر في معناه إذا اطَّرد استعماله في موارده١ اطرادًا مستويًا امتنع تأويله، وإن جاز تأويلُ ظاهرِ ما لم يطَّرِد في موارد استعماله. ومثال ذلك اطِّراد قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾[طه: ٤]، ﴿ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ﴾[الأعراف: ٥٣] في جميع موارده من أولها إلى آخرها على هذا اللفظ، فتأويله بـ «استولى» باطلٌ. وإنما كان يصح أنْ لو كان أكثَرُ مجيئه بلفظ «استولى»، ثم يخرج موضع عن نظائره، ويرد بلفظ «استوى»، فهذا كان يصح تأويله بـ «استولى». فتفطَّنْ لهذا٢ الموضع، واجعلْه قاعدةً فيما يمتنع٣ تأويلُه من كلام المتكلم، وما يجوز تأويله.
ونظير هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله هكذا: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ»٤، «تَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّكُمْ»٥، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[القيامة: ٢٢]. ولم يَجِئْ في موضعٍ واحدٍ: «ترون ثواب ربكم»، فيُحمَلَ عليه ما خرج عن نظائره.
(٤) أخرجه البخاري (٥٥٤) ومسلم (٦٣٣) عن جرير بن عبد الله ﵁.
(٥) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١١٦٤٠) والطبراني في «المعجم الكبير» (٢/ ٢٩٦، ٣١٠) وهو أحد ألفاظ الحديث السابق.
(٦)﴿وَيَوْمَ﴾ ليس في «ب».
نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦]، و﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ اِلْمُقَدَّسِ﴾١[النازعات: ١٦] ونظائرها، ولم يجئ في موضعٍ واحدٍ: «أمرْنا مَن يناديه» ولا «ناداه مَلَكُنا»، فتأويله بذلك عينُ المُحالِ والباطل.
ونظير ذلك اطِّراد قوله: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ ...»٢ في نحو ثلاثين حديثًا كلها مصرِّحةٌ بإضافة النزول إلى الربِّ، ولم يجئ موضعٌ واحدٌ بقوله: «ينزل مَلَكُ ربنا»، حتى يُحمَلَ ما خرج عن نظائره عليه.
وإذا تأملتَ نصوص الصِّفات التي لا تسمح الجهمية بأن يُسمُّوها نصوصًا، فإذا احترموها قالوا: ظواهر سمعية، وقد عارضها القواطع العقلية = وجدتَها كلها من هذا الباب.
وممَّا يُقضى منه العجبُ أن كلام شيوخهم ومصنِّفيهم عندهم نصٌّ في مراده لا يحتمل التأويل، وكلام الموافقين٣ عندهم نصٌّ لا يجوز تأويله، حتى إذا جاؤوا إلى كلام الله ورسوله وقَفُوه على التأويل ووقفوا التأويل عليه، فقُلْ٤ ما شئتَ وحرِّف ما شئت. أفترى بيانَ هؤلاء لمرادهم أتمَّ من بيان الله ورسوله، أم كانوا مستولين على بيان الحقائق التي [ق ٢٠ أ] سكت اللهُ ورسوله عن بيانها؟! بل٥ أولئك هم الجاهلون المتهوِّكون٦.
(١)﴿بِالْوَادِ اِلْمُقَدَّسِ﴾ ليس في «ح».
(٢) أخرجه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) عن أبي هريرة ﵁.