ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾[التكوير: ٢٨]، فأثبت لهم مشيئةً، فلعل١ متوهِّمًا يتوهَّم استقلاله٢ بها، وأنه إن شاء أتى بها٣ وإن شاء لم يأتِ بها٤، فأزال سبحانه ذلك بقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اَللَّهُ﴾[التكوير: ٢٩]. ثم لعل متوهمًا يتوهم أنه يشاء٥ الشيء بلا حكمةٍ ولا علمٍ بمواقع مشيئته وحيث تصلح، فأزال ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اَللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[الإنسان:٣٠]٦. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ٥٤ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ٧٥٥ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اَللَّهُ هُوَ أَهْلُ اُلتَّقْوى وَأَهْلُ اُلْمَغْفِرَةِ﴾[المدثر: ٥٤ - ٥٦].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي اِلتَّوْراةِ وَاَلْإِنجِيلِ وَاَلْقُرْآنِ﴾[التوبة: ١١٢]، فلعل٨ متوهمًا يتوهم أن الله سبحانه يجوز عليه تركُ الوفاء بما
(١) «ح»: «فعل».
(٢) «ح»: «استقلالا».
(٣) «ح»: «به».
(٤) «بها» ليس في «ح».
(٥) «ب»: «شاء».
(٦) يُلاحظ أن الكلام انتقل من الكلام على آيات من سورة التكوير، إلى الكلام على آية من سورة الإنسان، فربما يكون في النسختين سقط.
(٧) من «قوله تعالى» إلى هنا ليس في «ح».
(٨) «ح»: «فعل».
وعد به، فأزال ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اَللَّهِ﴾[التوبة: ١١٢].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿* هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ اُلْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾[الأنعام: ١٥٩]، فلمَّا ذَكَر إتيانه سبحانه ربما توهَّمَ متوهمٌ أن المراد إتيان بعض آياته أزال هذا الوهمَ ورفع الإشكالَ بقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ فصار الكلام مع هذا التقسيم والتنويع نصًّا صريحًا في معناه لا يحتمل غيره.
وإذا تأملتَ أحاديث الصِّفات رأيت هذا لائحًا [ق ٢٠ ب] على صفحاتها، باديًا على ألفاظها، كقوله ﷺ: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تُرَى الشَّمْسُ فِي١ الظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ، وَكَمَا يُرَى الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ»٢. وقوله: «مَا مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ٣ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ»٤. فلمَّا كان تكليم٥ الملوك قد يقع بواسطة الترجمان ومن وراء الحجاب أزال هذا الوهم من الأفهام.
وكذلك الحديث الآخر٦: «أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ ﴿وَكَانَ اَللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
(١) «في» ليس في «ب».
(٢) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (ص ٣٢).
(٣) «ربه» ليس في «ب».
(٤) رواه البخاري، وقد تقدم تخريجه (ص ٣٨).
(٥) «ح»: «تكلم».
(٦) أخرجه أبو داود (٤٧٢٨) وابن خزيمة في «التوحيد» (٤٦، ٤٧، ٤٩، ٥٠) وابن حبان (٢٦٥) والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٤) واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٦٨٨) عن أبي هريرة ﵁، وقال الحاكم: «حديث صحيح ولم يخرجاه». وقال اللالكائي: «وهو إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه». ونقل القاضي أبو يعلى في «إبطال التأويلات» (٣١٨) عن أبي محمد الخلال قوله: «هذا حديث إسناده شرط مسلم يلزمه إخراجه في «الصحيح»، وهو حديث ليس فيه علة». وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٣٧٣): «أخرجه أبو داود بسند قوي على شرط مسلم».