أعلى أنواع البيان، وكمال نُصحِه وهُداه وإحسانه، وقصده الإفهامَ والبيانَ لا التعميةَ والإلغاز.
ولهذا لما سلَّط المحرِّفون التأويلات الباطلة على نصوص الشرع فسد الدِّينُ فسادًا، لولا أن الله سبحانه تكفَّل بحفظه، وأقام له حرسًا وَكَلَهم بحمايته١ من تأويل الجاهلين وانتحال المبطِلين٢، لجرى عليه ما جرى على الأديان السالفة. ولكن الله برحمته وعنايته بهذه الأُمة يبعث لها عند دروس السُّنَّة وظهور البدعة مَن يُجدِّد لها دينها، ولا يزال يغرس في دِينه غرسًا يستعملهم فيه علمًا وعملًا.
وكما أن التأويل إن سُلِّط على علوم الخلائق أفسدها، فكذلك إذا استعمل في مخاطباتهم أفسدَ الإفهام والفهم، ولم يمكن لأُمة أن تعيش عليه أبدًا؛ فإنه ضد البيان الذي علَّمه اللهُ الإنسانَ لقيام مصالحه في مَعاشه ومَعاده. وقد تقدَّم تقرير ذلك بما فيه كفاية٣، وبالله التوفيق.
✽ ✽ ✽
(١) : «به وحمايته».
(٢) «من تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين» ليس في «ب».
(٣) في الفصل الرابع عشر.
فصل١
في بيان أنه إنْ سُلِّط على آيات التوحيد القولي العلمي وأخباره لزم تسليطُه على آيات التوحيد العملي وأخباره وفسد التوحيد معرفةً وقصدًا
هذا فصلٌ عظيم النفع جليل القدر، إنما ينتفع به مَن عرف نوعَيِ التوحيد: القولي العلمي الخبري، والتوحيد القصدي الإرادي العملي، كما دلَّ على الأول سورة: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾، وعلى الثاني سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ﴾. وكذلك دلَّ على الأول قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٥]، وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿* قُلْ يَاأَهْلَ اَلْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ...﴾ الآية [آل عمران: ٦٣]. ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سُنة الفجر٢، وسُنة المغرب٣،
ويقرأ بهما٤ في ركعتَيِ الطواف٥. ويقرأ بالآيتين في سُنة الفجر٦ لتضمُّنهما التوحيدَ
(١) «ح»: «الفصل السابع عشر». «ب»: «الفصل الثامن عشر». والصواب أن هذا الفصل تابع للفصل السابق، فلم يُعد فصلًا منفصلًا في الفهرس الوارد في مقدمة الكتاب، وسيأتي الفصل الثامن عشر في النسختين موافقًا للفهرس المتقدم.
(٢) أخرجه مسلم (٧٢٦) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه الترمذي (٤٣١) وابن ماجه (١١٦٦) عن ابن مسعود ﵁، وقال الترمذي: حديث غريب. وفي الباب عن علي وابن عمر ﵃، ينظر: «نتائج الأفكار» لابن حجر (١/ ٤٨٩ - ٤٩٢).